أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » ‫متهم بالسّطوِ والتجسّس… عن الرحّالة أبو القاسم بن علي البغدادي، الموصلي، النصيبي، المعروف بان حوقل ‬

‫متهم بالسّطوِ والتجسّس… عن الرحّالة أبو القاسم بن علي البغدادي، الموصلي، النصيبي، المعروف بان حوقل ‬

هناك فروق جوهرية بين رحالة سائح، يدّون مشاهداته بصوره أدبية، وآخر جغرافي يصوغ مما رآه بشكل علمي يشار إليه بالبنان، ويُعدّ تأسيسًا للكتابة الجغرافية في العالم الإسلامي؛ ذلك المنهج الأخير هو ما انتهجه ابنُ حوقل في رحلاته التي طافت أرجاء العراق، ومصر، والشام، وإيران، والأندلس، والهند، وغيرها من البلدان، ومن ثَمّ ترك صورة بديعة للأرض في القرن الرابع الهجري.
ابن حوقل… مسافر زادَه التجارة

هو أبو القاسم بن علي البغدادي، الموصلي، النصيبي، المعروف بان حوقل. لم يُعرف تاريخ مولده، ولكن هناك إجماع على أنه قضى طفولته بنصيبين، الواقعة ما بين نهري دجلة والفرات، وتتبع الحدود التركية حاليًا.

اهتمّ ابن حوقل في طفولته وشبابه بدراسة اللغة العربية، والأدب، والتاريخ والجغرافيا، وشغف منذ نعومة أظفاره بالأخبار والترحال، وعكف على قراءة أبرز الكتب المعروفة في عالم الأسفار، ومنها “المسلك والممالك” لأبي القاسم ابن خرداذبه، و”الخراج وصنعة الكتابة” لأبي الفرج قدامة بن جعفر، و”المسالك والممالك” لأبي إسحاق الإصطخري.

اختلفت نقطة انطلاق ابن حوقل عن غيره من الرحالة، فأغلبهم اتخذوا من مدح السلاطين والعمل في كنفهم وسيلةً لكسب المال ومساعدتهم في أسفارهم، أما هو فكانت التجارة هي وسيلته الأمثل للتجوّل في الأمصار، ورصد ما بها من مشاهد وأخبار، ويقول الأستاذ ميخائيل عواد في مقال منشور له بمجلة “الرسالة” المصرية، في عددها الصادر بتاريخ الحادي عشر من سبتمبر لعام 1939: “وأقبل على التجول في البلاد الإسلامية، متعاطيًا التجارة، لمكانتها الخاصة في الكسب، ولما تقتضيه من التنقل والتجول، وهي الناحية التي شغف بها فتملكته”.

في عام 331 هـ/943م كان ابن حوقل قد ألمّ بالكثير من كتب الرحلات التي كانت منتشرة في القرن الرابع الهجري، لكنه وجد أنها لم تفِ بالغرض، فتملّتكته الرغبة في دراسة شاملة وواقعية يجوب فيها كل الأمصار التي يستطيع زيارتها، فترك بغداد وانطلق إلى الجانب الغربي من الدولة الإسلامية في صقلية والمغرب والأندلس.

ويحكي ابن حوقل عن انطلاقته الأولى، واصفًا الوضع السياسي وقتها في كتابه “صورة الأرض”، قائلًا: “فبدأت سفري هذا من مدينة السلام يوم الخميس لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وفيه خرج أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان منهزمًا عنها إلى ديار ربيعة من أيدي الأتراك، وقد عملوا على القبض عليه بعد أن استتبت له الأمور بها، واتسعت به الأحوال فيها، وشرفت به الأعمال وتناهى في الصولة، ولُقب بناصر الدولة، وأنا من حداثة السن وغُرّته، وفي عنفوان الشباب وسكرته، قوي البضاعة، ظاهر الاستطاعة”.
منهجية ابن حوقل… الرحلة الجغرافية كما يجب أن تكون

لم يتبع ابن حوقل في كتابه “صورة الأرض” طريقة السرد القصصي الذي اتبعه غيره من الرحالة، والذي يصنفه البعض بأدب الرحلات؛ لكنه أصّل لفكرة الجغرافيا بمنهج علميّ شهد له الكثيرون، منهم المستشرق الروسي إغناطيوس كراتشكوفسكي، الذي قال عنه في كتابه “تاريخ الأدب الجغرافي العربي”: “ويتضح أن ابن حوقل، شأنه في هذا شأن بقية ممثلي المدرسة الكلاسيكية، قد حصر اهتمامَه على وجه التقريب في وصف (دار الإسلام) خاصة إيران، ولكنه كان يتجاوز في حالات معينة بالطبع نطاق العالم الإسلامي، فمثلًا لا تخلو من بعض القيمة روايته عن هزيمة الروس للبلغار والخزر حوالي عام 358هـ/969م، حيث كان المؤلف آنذاك بجرجان.”

ويتابع كراتشكوفسكي: “هذا الحادث يتفق مع حملة إسقياتوسلاف، أمير كييف على الخزر عام 965م، وقد ظهر في الآونة الأخيرة رأي يقرن هذا الحادث بحملة هارالد إيركسون ملك النرويج. وإذا تركنا جانبًا نقاطَ التشابه العديدة فإنه يجب الاعتراف بأن ابن حوقل هو الخبير الأول من بين جغرافيّي هذه المدرسة في شؤون المغرب”.

تلك المنجهية الجغرافية التي تعتمد على المشاهدة الدقيقة، أكدها ابن حوقل قائلًا: “وقد حررت ذكر المسافات، واستوفيت صور المدن وسائر ما وجب ذكره(…)، وسائر ما يكون عليه أشكال تلك الصورة والعمل، وموقع كلّ مدينة من مدينة تجاورها وموضعها من شمالها وجنوبها، وكونها بالمرتبة من شرقها وغربها؛ ليكتفي الناظر ببيان موقع كل إقليم وموضعه ومكانه، وما توخيته من ترتيبه وأشكاله وقصصه من أحواله وأخباره (…) وقد فصلت بلاد الإسلام إقليمًا وصقعًا صقعًا وكورة كورة لكلّ عمل”.

التفرقة بين ابن حوقل كرحالة جغرافي، وبين غيره كرحالة سائحين، بيّنها الدكتور عبد الأمير عباس الحيالي، في رسالته “ابن حوقل ورحلاته الجغرافية” الصادرة عن جامعة ديالي العراقية عام 2014، قائلًا: “فالجغرافي من صفاته أن يبحث ويحلل ويستنتج ويحدد الموضع (المنطقة)؛ للكشف عما فيه، ويقوم بالبحث عن المعلومات ودراستها، أو المشاهدة الميدانية، ثمّ يحاول أن يشرح ويستنتج الظواهر الطبيعية والبشرية (…)، وجاب ابن حوقل العالم الإسلامي من أجل التحقق بنفسه من أقوال الجغرافيين السابقين، والاطّلاع على مناطق العالم الإسلامي، والكشف عن المجهول، وتمكن من نشر الحقائق الجغرافية التي تستند إلى الملاحظة المباشرة والزيارة الميدانية، مُعتمدًا على نفسه، كما ضمّن معلوماته الجغرافية وانطباعاته في كتابه من ذوي الخبرة، وممن يثق بهم ويشهد بصدقهم”.
ابن حوقل المتهم بالسّطوِ والتجسّس!

استمرّت رحلات ابن حوقل ثمانية وعشرين عامًا، جاب خلالها العديد من البلدان، من نهر السِّند حتى المحيط الأطلسي، ودخل البلغار، والمغرب والأندلس، ونابولي، وباليرمو، وكذلك الهند، التي لقي فيها الرحّالة أبا إسحاق الإصطخري، صاحب كتاب “المسالك والممالك”، فأطلَع عليه ابنَ حوقل، وطلب منه تهذيبه، قائلًا: “وقد نظرت في مولدك وأثرك، وأنا أسألك إصلاح كتابي هذا حيث ضللت”.

أخذ ابن حوقل كتاب الإصطخري وأضاف إليه كثيرًا، وذيّله باسمه واضعًا له عنوان: “المسالك والممالك والمفاوز والمهالك”، وأهداه لسيف الدولة الحمداني، ثمّ صدرت النسخة ذاتها بعد سنوات باسم “صورة الأرض” في الطبعة الأولى على يد المستشرق الهولندي دي جويه بلندن عام 1873، وعلى إثره تمّ تعميم الاسم على الطبعات الأخرى بالبلدان المختلفة.

ويشير المؤرخ اللبناني، الدكتور فيليب حتي، في كتابه “العرب، تاريخ موجز” إلى أن ما فعله ابن حوقل مع الإصطخري ما هو إلا عملية سطو على كتابه. واختلف معه الكاتب حازم خالد في كتابه: “إبحار في روائع أمهات الكتب”، الصادر عام 2017، قائلًا: “أعتقد أن الاتهام لا ينهض على أساس قوي، وأن معاصرة ابن حوقل للإصطخري لا تكفي لتأكيد هذا الاتهام، فكتاب المسالك والممالك، تؤكد كلّ صفحة من صفحاته شخصية ابن حوقل، كما أن المنهج العلمي المُتّبع في الكتاب كلّه واحد، فهو يذكر ملامح كلّ إقليم يزوره، ويفيض في الحديث عن النشاط الاقتصادي لهذا الإقليم”.

اتهام آخر طال ابن حوقل، وهو التجسس لصالح الفاطميين ولم يأتِ ذكره أيضًا إلا في مصدر وحيد وهو كتاب “تاريخ المسلمين في إسبانيا” للمستشرق الهولندي ذي الأصول الفرنسية رينهارت دوزي، بقوله: “ولا شكّ أن يكون قد نال حظوتهم والتفاتهم أثناء نزوله بين ظهرانيهم، فسهلوا له شؤون رحلته وتجارته؛ وقد تمخضت هذه العلاقة عن تبادل الثقة، فوجدوا فيه خيرَ مثال للدّعاية، وهو ذاك الرحالة الشهير الذي يجوب بلدان الأرض فينشر دعوتهم على أحسن ما يرام”.

ابن حوقل

ابن حوقل يُعَدُّ مُحمَّد بن حَوقَل البغداديّ الموصليّ الذي يُكنَّى بأبي القاسم أحدَ علماء البُلدان المسلمين؛ فقد كان رحّالة، وجغرافيّاً لا يُعرَف تاريخ ميلاده على وجه الدقّة، وإنّما ذُكِر أنّه كان قَبل 320هـ بكثير، وما يُعرَف عنه أنّه عاش، واشتُهِر، وذاع صيته في القرن الرابع الهجريّ، أمّا وفاته فلم يُعرَف تاريخها على وجه التحديد أيضاً، إلّا أنّ المصادر التاريخيّة ذكرَت أنّها كانت بعد 367هـ؛ أي ما بَعد عام 977م، وفي ما يتعلَّق بمكان ولادته، فقد اختُلِف عليه من قِبل المُؤرِّخين أيضاً؛ فبعضهم ذهب إلى أنّه وُلِد في نصيبين التي تقع بين النهرَين؛ ولذلك كان يُقال له محمد النصيبيّ، أو محمد النصيبينيّ،[١][٢] ومنهم من ذهب إلى أنّه وُلِد في بغداد، ونشأ فيها؛ ولذلك سُمِّي البغداديّ، أو الموصليّ.[٣] مُقتطَفات من حياة ابن حوقل كان ابن حوقل أحد التجّار العرب المسلمين؛ حيث اتَّخذ من التجارة وسيلة؛ لكي يجوب العالَم، ويتعرَّف على صفات الشعوب المختلفة، ويُدوِّن ما يراه كُلّه،[٤] وقد بدأت رحلات ابن حوقل في عام 331هـ؛ أي ما يُوافق 943م؛ فقد غادر بغداد، ودخل إلى المغرب، وصقلية، كما طاف بلاد الأندلس أثناء ازدهار العهد الأمويّ فيها، ووصفها بدقّة، نظراً لكونه عاش فيها مدّة طويلة أثناء خلافة الخليفة الناصر، أو عبدالرحمن الثالث، ومن البُلدان التي زارها ابن حوقل أيضاً خلال رحلاته: مصر، والشام، والعراق، وبلاد فارس والبحرين، كما زار الإحساء أيضاً، وذُكِر أنّ رحلاته التاريخيّة امتدَّت من نهر السِّند وصولاًَ للمُحيط الأطلسيّ.[٣] ويُمكن القول إنّ تجارته لم تكن مَحلّيّة مُقتصرة على العراق فقط، وإنّما هي تجارة عابرة للقارّات، وتهدف إلى جَمع المعلومات أيضاً، وخاصّة الجغرافيّة منها، وقد ذُكِر أنّ رحلاته، وتجواله استغرق نحو 30 عاماً،[٣] كما وردَ عنه أنّه كانت لديه ميولٌ سياسيّة. ومن المُؤرِّخين الذين رأوا ذلك كراتشكوفسكي، بالإضافة إلى أنّه قِيل إنّه كان مُبلِّغاً دينيّاً، وسياسيّاً، وعَيناً للدولة الفاطميّة، واستُدِلَّ على ذلك بأنّه كان يتنقَّل بين أفريقيا الشماليّة (منطقة النفوذ الفاطميّ)، والأندلس (منطقة النفوذ الأمويّ).[٢] دور ابن حوقل في الجغرافيا يُعَدُّ ابن حوقل جغرافيّاً مُميَّزاً من نوادر الجغرافيّين الذين برزوا في عَصره؛ فقد جمع معلومات كثيرة، ودقيقة عن البُلدان التي تجوَّل فيها، وخاصّة المعلومات الجغرافيّة، ودرس صفات شعوبها أيضاً، ووضع ما جَمعه كلّه من معلومات في كتابه (صورة الأرض)، حيث ذكر فيه معلومات عن المسافات، ووصف البحار، والأنهار، وذكر صفات البلاد، واقتصاديّاتها، وحياة سُكّانها، وكلّ ما يتعلَّق بها من دقائق الأمور، كما رَسَم خريطة لكلِّ بلد، ويُمكن القول إنّه من الأقلّية الذين أبدعوا في علم الجغرافيا.[٣] ويجدر الذكر أنّ ابن حوقل سار في منهجه على مبدأ تقسيم العالَم إلى أقاليم، تماماً كالأصطخريّ الذي قسَّم العالَم إلى عشرين إقليماً، أمّا ابن حوقل فقد زاد عليها إقليمَين، وغيَّر في تسمية بعض الأقاليم، كما كان منهجه توثيقيّاً؛ أي أنّه لم يكتب المعلومة إلّا بعد التأكُّد من مدى صحّتها، وكان وصفه جامعاً شاملاً للمناطق التي زارها، وقد عُنِي في كتابه بالجغرافيا الاقتصاديّة التي تشتمل على الأمور التجاريّة، والصناعيّة، وغيرها ممّا يتعلَّق باقتصاد البُلدان التي زارها، بالإضافة إلى أنّه عُنِي بالجغرافيا البشريّة، والحيويّة، والطبيعيّة، علماً بأنّ اهتمامه في هذه المجالات تفاوتَ من إقليم إلى آخر، ولا بُدَّ من التطرُّ إلى أنّه أتى على ذكرٍ سطحيّ لبعض الظواهر الطبيعيّة التي كانت تحدث في البُلدان، وكان هذا الذكر ذِكراً خفيفاً، وغير مُفصَّلٍ؛ بسبب عدم وجود الأجهزة الكافية لدراستها بشكل تفصيليّ آنذاك.[٣][٤]