أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » إدلب والمعادلة المستحيلة للحلّ

إدلب والمعادلة المستحيلة للحلّ

ينطلق هذا التحليل من افتراض قد يكون خاطئاً، وهو أن جميع القوى المسيطرة على المناطق المحررة من نظام الأسد هي قوى تريد “بحق” إسقاط هذا النظام. ولأننا نعيش منذ 8 سنوات مع الكذب من جميع الأطراف فقد أصبح أي تحليل يتعلق بالشأن السوري من الصعوبة بمكان يستحيل فيه تحديد المواقف بدقة، ولذلك فإن أي تحليل “ومن ضمنها هذا” يدعي أنه على يقين بالخطط المعدة لإدلب بل لسورية كلها هو تحليل فارغ. ذلك أن القوى الكبرى نفسها لم تحدد مواقفها النهائية بسبب شدة تعقيد الموقف السوري، كما أن سيولة تلك المواقف قد تؤدي خلال أي لحظة إلى تبدلات جذرية في الوضع على الأرض.

الجغرافيا

يسيطر على الجغرافيا السورية المحررة اليوم كل من تركيا، الفصائل العسكرية الموالية لها على اختلاف مسمياتها “درع الفرات، غصن الزيتون، الجبهة الوطنية، الجيش الوطني، فيلق الشام.. إلخ”، والفصائل السلفية الجهادية، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام.

مع الانتصارات الروسية الأخيرة في ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، بدأ شبح اتفاقيات تسليم درعا وحمص والغوطة وغيرها من المناطق يخيّم على أذهان ملايين المدنيين في إدلب وجوارها، لكن الرعب هنا يتضاعف لأنه “لا إدلب بعد إدلب”، فأين سيذهب ملايين البشر؟

والسؤال الأكثر إثارة للجدل أين سيذهب الآلاف من المقاتلين وعلى ماذا يراهن قادة التيار الجهادي الذين أسسوا “حكومة” وبدأوا بإرسال إيحاءات تفيد بأنهم بصدد إنشاء نموذج مشابه للنموذج الغزي.

وبغضّ النظر عن سذاجة إسقاط الواقع السوري على نموذج غزة بسبب اختلاف عقلية القوى المسيطرة على كل منهما، فإن من الخطأ الكبير افتراض أن القوى المتحكمة بالمحرر، سواء الجهادية منها أو حتى تركيا، نفسها تتصرف بالعقلانية التي يفترضها المتابع والتي يثير غيابها الاستغراب لدى مشاهدة سياسات متخبطة تحاكي إطلاق شخصٍ النار على قدميه.

اللاعبون

يتلخّص موقف اللاعبين الأساسيين في الساحة السورية؛ أميركا، روسيا، إسرائيل، إيران، بشأن إدلب بشكل رئيسي بما يتبناه الروس ويطالبون به تركيا من إخراج “الجماعات الإرهابية” من المنطقة، أما بقية التفاصيل فهي تفرعات لا تستحق الحديث عنها.

والحقيقة أن هذا الطلب هو طلب برسم الاستحالة، بمعنى أن هذه الدول تعلم أن تركيا لا تستطيع تحقيقه إلا بصعوبة تقارب حد المحال، وحتى لو اتخذت قرارها؛ فالدماء التي ستراق هناك ستجعل تركيا صاحبة حق دائم في المنطقة ولن تخرج منها إلا بحرب شاملة لا يريد أحد حدوثها. كما أن اختفاء “الكرت” السلفي الجهادي سيحرم الروس من أقوى حججهم ولن يكفيهم اتهام القبعات البيضاء بالإرهاب لشن حملة شبيهة بالحملة الأخيرة على مناطق ستكون تحت الوصاية التركية بالكامل، وبالنتيجة فإن أشد الراغبين في بقاء الجهاديين في إدلب هم الروس أنفسهم.

هيئة تحرير الشام

بالنسبة إلى جهاديي هيئة تحرير الشام، ومع استبعاد النظرية التآمرية التي تقول باختراق قياداتهم من قبل إيران وغيرها من استخبارات دول الإقليم؛ فالقوم، وخلافاً لما يعلنون، هم أكثر المراهنين على تفاهمات أستانة وسوتشي وشبيهاتها المتعلقة بالانسحاب من مناطق معينة، بمعنى أنهم مقتنعون و”راضون” بتسليم المناطق التي تتخللها الطرق الدولية لسيطرة روسية تركية مشتركة، معتقدين أنهم يلعبون لعبة ذكية تفترض أن الأتراك سيحافظون مجبرين على إدلب لحماية أمنهم القومي متحولين إلى “حرس حدود” لمشروع “التمكين”، والذي سيحاول فيه الجهاديون بناء أنموذج “غزي” إنما على الطريقة السلفية.

وحتى بافتراض ارتباط قيادات الجهاديين مع إيران، فإن الأخيرة ورغم دعمها الأسطوري لنظام الأسد، فإنها وبخلاف المعلن لن تكون سعيدة حال سيطرته بالرعاية الروسية على إدلب والتي سيتبعها بدء الدعوات لخروج كل القوات الأجنبية من سورية تمهيداً لإجلاء تركيا، فعودة الأسد ومن ثم إعادة تعويمه ستفتحان الباب للمعركة المستقبلية بين الحلفاء على “الطريدة” السورية، وإيران ستكون عندها أضعف أولئك الحلفاء لأن روسيا تريد الاستئثار بتلك الغنيمة في حين أنه ليس لدى الأميركيين أو الإسرائيليين أي مشكلة مع نظام الأسد. لذلك فإن إيران من مصلحتها حالياً على الأقل عدم حسم المعركة في سورية ولديها من المرونة السياسية ما يجعلها تدعم الجهاديين أنفسهم في أي كانتون مفترض تشكيله في إدلب، وليس من المستبعد أن تكون الهدنة الأخيرة بمثابة محاولة روسية لطمأنة إيران ودعوتها للمشاركة في “رقصة الموت الأخيرة”.

تركيا

أما تركيا، ورغم أنها الدولة الوحيدة التي تشكّل “سورية الأسد” تهديداً لأمنها القومي، فهي الدولة الأضعف تأثيراً في الملف السوري، إذ يمكن تلخيص سياستها في هذا الملف طيلة 8 سنوات بالتردد والتخبط أي الفشل بالمحصلة، ومع ما يرشح عن اتهامات متكررة من صانع السياسة التركي للسوريين بأنهم سبب هذا الفشل بتفرقهم، فإن الاختراقات الأجنبية للأجهزة الأمنية والعسكرية التركية والتي لم يتم الكشف عنها إلا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 تعطي فكرة أولية عن مصدر الفشل. ومن جانب آخر فإن الرأي العام التركي غير مستعد لأي تدخل عسكري جدّي في سورية تصوره المعارضة على أنه لحماية السوريين الذين أصبحوا مكروهين من الأغلبية.

هذا داخلياً، أما خارجياً فتركيا هي الطرف الذي يختلف اللاعبون الباقون على كل شيء فيما يتفقون على إخراجها من سورية، لذلك فليس من المستغرب أن تكون التصريحات التي أدلى بها الرئيس أردوغان حول اختفاء إدلب ثم تهديده الأوروبيين بفتح الحدود أمام موجات الهجرة بمثابة صرخات الاستسلام الأخيرة للإرادة الدولية تحت ضغوط الخارج والداخل، فمن نافل القول إن التطورات “إن وصلت” إلى المفاضلة بين الاستمرار في الحكم أو التدخل في سورية أن يتم الاستغناء عن سورية.

إن فهم وتوصيف موقف أنقرة ليس بوارد أدبيات الهجاء، فتركيا قد نالها من جراء الكارثة السورية الكثير وإنما لتوضيح عبثية المراهنين على أي اتفاقيات يعقدونها مع الروس. فبوتين هو الرجل الأقوى اليوم في سورية بشبه تفويض أميركي إسرائيلي، ورغم أنف إيران، لذلك فإن الرجل سيستمر بقضم المناطق مدمراً الحجر والشجر سواء تم تطبيق سوتشي أو لم يتم تطبيقه.

الطرف الأصعب

بالعودة إلى “الجهاديين” الذين يشكلون الطرف الأصعب في المعادلة المستحيلة، فإن حجتهم المعلنة لعدم اندماجهم أو توحدهم أو اختفائهم عن المشهد هو أن الطلب الروسي ما هو إلا ذريعة للاستمرار بالعدوان. ورغم وجاهة هذه الحجة، فإن افتراض حسن النية بقادة الجهاديين “وهو افتراض صعب للأمانة” يقتضي أنهم يعلمون أنه وبظل موازين القوى الحالي فإن الروس لن يوقفهم شيء عن إبادة الملايين “بمن فيهم الجهاديون وأسرهم” حتى استعادة إدلب، وهذا يمنحهم حتى وفق فهمهم السلفي “الرخصة الشرعية” للاندماج والتوحد تحت أي راية، ولو كانت “شركية”، بسبب وصولهم إلى حالة “الإكراه الملجئ” تحت خطر فنائهم بأسلحة الروس أو عودتهم إلى حكم الأسد. فالأجدر بالسوريين الذين يحملون نفس هذا الفكر محاورة قادة هؤلاء الجهاديين أمام قواعدهم بدلاً من المناكفات على وسائل التواصل الاجتماعي، ذلك أن الفصائل الجهادية “اختلفت أو اتفقت معها” تضم في صفوفها أشد المقاتلين بأساً وانضباطاً والذين تحولوا بسبب انتمائهم إلى هذا التيار إلى فاعل سلبي يعقد الاستعصاء الداخلي بدلاً من دورهم الواجب كقوة تحرير ودفاع عن المدنيين.

الفصائل الموالية لأنقرة

أما الطرف السوري الثاني في هذه المعادلة المستحيلة فهو الفصائل الموالية لأنقرة، والتي لا تستقل بقرارها عن الراعي إلا بموضوع واحد وهو عدم قدرتها “وحيدة” على قتال هيئة تحرير الشام واستئصالها حتى لو أرادت منها أنقرة ذلك.

بعيداً عن العواطف، فإن المنطق يفرض “في حال رفض هيئة تحرير الشام لأي حل توافقي” أن تتدخل هذه الفصائل التي تضم آلاف المقاتلين عسكرياً لتسيطر على المحرر بالكامل، لكن الهيبة الأيديولوجية للفكر السلفي الجهادي تشل قدرة قادة فصائل أنقرة، وخصوصاً تلك التي تشكل بقايا حركة أحرار الشام عنصرها الأكبر، على دفع مقاتليهم لمثل هذه المعركة، والمفارقة عصية الفهم على البعيدين عن الوضع السوري أن هؤلاء المقاتلين تم طردهم وقتالهم من قبل الهيئة سابقاً، ورغم امتلاكهم شجاعة تؤهلهم للقتال وصولاً إلى دمشق فيما لو رفع الغطاء الدولي عن النظام، فإنهم يسقطون سريعاً في أي معركة طرفها الثاني قوى سلفية جهادية بسبب تنشئتهم سابقاً على أيديولوجيا شبيهة مستمدة من إصدارات القاعدة منذ أيام أفغانستان والعراق.

هدوء ما قبل العاصفة

فيما يرتب كل من الأتراك والروس والإيرانيون أوراقهم، فإن الهدوء النادر الذي يعم إدلب “وقت كتابة هذه السطور” قد يكون الهدوء الذي يسبق هبوب عاصفة الحملة العنيفة، كما يمكن أن يكون مقدمة للتسوية فيما لو ظهر أن بيد تركيا أوراقاً لم تستخدمها بعد. ويبقى السوريون هم الغائب الأكبر عن القرار ووقودَ ثورةٍ تحولت إلى حروب للآخرين.

المصدر: العربي الجديد – إسماعيل حاج إسماعيل



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع