أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » ربيع لبنان وجهنم العهد القوي : بقلم المحامي فوزي مهنا

ربيع لبنان وجهنم العهد القوي : بقلم المحامي فوزي مهنا

ربيع لبنان وجهنم العهد القوي؟
مشكلة رئيس العهد القوي في لبنان اليوم تشبه إلى حد بعيد مشكلة معاوية بن أبي سفيان أيام حكمه في دمشق، مع فارق الزمن، عندما ابتدع فكرة التوريث لابنه يزيد، عندها أخذ يُقرِّب إليه كل من رحّب بها وكل متملق وكل واعض سلطان، المغيرة بن شعبة كان والياً لمعاوية على الكوفة في العراق، يُقال أنه كان يرتكب المعاصي والموبقات، لكنه كان داهية زمانه، عندما نمى إليه بأن معاوية يفكر بعزله سارع إلى دمشق يهمس في أذنه إليك بسيد القوم يزيد.
قبل أن تسير كرسي الرئاسة إليه وفقا لتوصيف أنصاره في التيار الوطني الحر، بكل ثقة وإصرار لتتشبّث به، أخذ هؤلاء يهللون للعماد عون بالتهويل والمبالغة بقوة هذا العهد ومقدرته الفذة لقيادة لبنان نحو عهد جديد يتميز بالإصلاح والتغيير، بدءاً من العهد القوي إلى دولة بي الكل إلى تكتل لبنان القوي، بل كبّروا الحجر على حد وصف بشارة خيرالله، حتى باتت مفردات القوة والتحدي لا تفارق ألسنتهم، بمناسبة ومن دون مناسبة، بناءً على ذلك لن نتحدث بهذه العُجالة عن عهود أمراء الحرب وزعماء الطوائف ممن لا يزالون يتحكمون برقبة لبنان اليوم، فحولوا هذا البلد الجميل من بلد الأرز لدولة من دول الموز، وإنما سنتحدث فقط عن أصحاب هذا العهد القوي.
لقد سبق للرئيس فؤاد شهاب (١٩٥٨ – ١٩٦٤) أن جاء من قلب المؤسسة العسكرية اللبنانية، من دون أن تكون لديه تطلعات شخصية على حساب المصلحة الوطنية، كما هو حال صاحب العهد القوي، جاء دون أن يكون لديه حزب أو جماهير تنفخ فيه، بل دون أن يكون لديه صهر قوي يستقوي بسلاح خارج الدولة، يتصرف مع لبنان وكأنه جل من جلول مزرعته، وفقاً للكاتب سمير عطالله، يجاهر بعنصريته على الطالع والنازل، يقفز فوق هذا وذاك، يريد أن يُكسِّر رأس هذا ويُمرِّغ أنف ذاك، يمارس الشعبوية والسادية بمواجهة كل مختلف، من دون أن يتذلّل لهذه الجهة أو تلك، من أجل تمضية سنوات العهد، وضمان توريث الرئاسة والدولة للعائلة وسلالتها.
لذلك استطاع شهاب عندها القيام بإصلاحات إدارية كبيرة في الدولة، مستحدثاً عدد من المؤسسات العامة جاهداً للعمل على التخفيف من وطأة الاقطاع السياسي على الحياة السياسية اللبنانية (ويكيبيديا) ومثله أيضا كان حال كل من الرئيسين أميل لحود (١٩٩٨ – ٢٠٠٧) وميشال سليمان (٢٠٠٨ – ٢٠١٤) اللذان قدما من المؤسسة العسكرية أيضاً، واستطاع كل منهما الحفاظ على ما بقي من دولة، رغم أنف كل الزعامات.
“إنها السلطة! فوالله لو كانت في صدرك لانتزعتها من كبدك” هكذا خاطب معاوية ابنه يزيد في درسه العروبي الأخير، وهكذا كان الدرس الأول الذي سار عليه بقية حكام هذه الأمة، فما أن تطأ قدم الحاكم السلطة حتى يضع نصب عينيه عدم مغادرتها، فيصادر البلاد ويكتم أنفاس العباد، فيصبح هو الدستور وأبو الدساتير، هو الدولة وأبوها، ومن يسيء إليه إنما يسيء للدولة، بعد ذلك يورثها لذريته من بعده.
بل مشكلة بي الكل عون الأساس أنه أراد الرئاسة حتى على خراب لبنان، لذلك كانت وثيقة التحالف التي أبرمها مع حزب الله بالعام ٢٠٠٦ والتي من شأنها تحقيق ذلك، مهما بلغت الأثمان، على الرغم من أنه كان من أشد المنددين بسلاحه غير الشرعي، والمطالبين بنزعه، لا بل سبق أن اتهمه باغتيال الحريري الأب، فضلاً عن وقفته الشهيرة أمام الكونغرس الأميركي عام 2003 والتي أدلى خلالها بشهادته، بشأن التدخل السوري ودور الحزب في لبنان، وما تلى ذلك من صدور قانون محاسبة سورية، من ثم قرار مجلس الأمن 1559 الذي يدعو إلى حل سلاح الميليشيات في لبنان.
بالقطع مشاكل لبنان وانقسامات مكوناته المجتمعية ليست بجديدة، وإنما قديمة قدم نظامه الطائفي، المتجذر منذ تأسيس دولة لبنان الكبير ١٩٢٠ وعلى الرغم من حروب الآخرين على أرضه وحربه الأهلية التي حصدت الأخضر واليابس، على مدار أكثر من خمسة عشر عاماً، ذبح خلالها بعض الفصائل اللبنانية بعضهم البعض على الهوية، إلا أن لبنان بقي كدولة، ببحره وسمائه وجبله وأرزه ووديانه وأنهاره موطناً لكل عاشق، بقي متنفساً لكل مثقف وسياسي عربي مطارد وكل مظلوم، تهرب إليه العقول والأموال العربية من كل حدبٍ وصوب، لا تهرب منه مثلما هي عليه اليوم.
في عام ٢٠٠٥ رحل الحريري الأب ورحل معه السوريون، إلا أنه ما أن غادر الجيش السوري لبنان حتى جاءت حرب تموز ٢٠٠٦ بين حزب الله واسرائيل، وما تلى ذلك من قيام الحزب من اجتياح بيروت في أيار ٢٠٠٨ بسبب شبكة الاتصالات، ليعيد الكرة بعد عشر سنوات، بعد ظهور نتائج الانتخابات النيابية الماضية، وبهذا تكون قد حلّت وصاية محل وصاية تماماً.
منذ ذلك الحين بات السوس ينخر ببنيان الدولة، بعد أن أخذت هذه الوصاية تتحكم بمصير لبنان وشعبه سلماً أو حرباً، لكنها بقيت إلى حدٍ ما مجرد أجندات عرضية تُغرِّد خارج نطاق الدولة، إلى أن جاء شركاء العهد القوي الممثلين برئيس الجمهورية عون وفريقه المسيحي، إلى جانب رئيس الحكومة السني سعد الحريري وتياره المستقبل، عملاً بوثيقة التسوية أو عقد (زواج المصالح) المبرم فيما بين الفرقاء الثلاثة، ليشرعن هذه الوصاية، ويُحصِّنها على الصعيدين الداخلي والخارجي.
واجهة شرعية منبثقة من انتخابات نيابية، كانت كفيلة بحماية حزب الله مما يتعرّض له من استحقاقات داخلية، وضغوطات وعقوبات خارجية يواجهها، منذ أن تسيّد الساحة اللبنانية اثر انتصاره على اسرائيل بإرغامها على مغادرة الأراضي اللبنانية المحتلة، وبقاء سلاحه خارج نطاق الدولة من جهة، وبفضل قانون الانتخابات النسبي، عندما استطاع بموجبه الحزب من اختراق حصون بقية الطوائف اللبنانية، واستحواذه على المزيد من الحلفاء داخل تلك الطوائف، من جهة أخرى، مما أغضب ذلك زعاماتها التقليدية، فزاد المرجل غلياناً وكان أن وقع الطوفان.
مشكلة طرفي هذا العهد الأساسيين هي في الطريقة التي ينظر كل منهما للبنانيين، الأول يعتبر نفسه هو من حررهم من اسرائيل في حين الثاني هو الذي حررهم من السوريين، لذلك جاء هذا العهد مشوهاً بالولادة دعاماته الأساسية هي المصالح الشخصية والخارجية، مكبلاً بفائض القوة التي يملكها حزب الله، والرصيد المسيحي الذي جناه عون جراء شعاراته الاصلاحية الوهمية، لذلك كان على اللبنانيين دفع الفاتورة مضاعفة.
قبل وصوله لمنصب الرئاسة بأشهر قليلة دعا الجنرال عون إلى مظاهرة كثيفة في وسط بيروت مساء يوم الجمعة 4 أيلول 2015 لإزالة الجمهورية الباطلة، معتبراً أن انتخابات التسعينيات التي أسّسّت أول حكومة فعلية بعد الحرب الأهلية كانت باطلة، وبالتالي ما بني على باطل فهو باطل، عندها اعتصم الآلاف من أنصاره في ساحة الشهداء تحت شعار “وحدا الانتخابات الرئاسية بتنظف البلد من الفساد”.
يومها وصف عون التظاهرة بأنها لقاء مجيد، سيكون بداية إصلاح لوطننا وعودة إلى تاريخه، في حين دعا صهره جبران باسيل كل اللبنانيين للزحف إلى قصر الشعب، بقوله: اليوم تحماية وغداً سيكون التسونامي نحوه، فالمستقبل لنا وليس لغيرنا، نريد كهرباء ومياهاً ونفطاً وغازاً وقانوناً انتخابياً يمثلنا، وأن ننتخب رئيساً للجمهورية، ونرفض انكسار المسلمين والمسيحيين في لبنان.
بعد أشهر من ذلك استلم الرئيس عون مقاليد الرئاسة وأحكمت عائلة دلاس قبضتها بالكامل على لبنان، بعد أن سعت بكل ما في وسعها للتغوّل على مؤسسات الدولة ومفاصلها، بالعمل على استحواذ كل شيء، من الطائفة إلى جميع المواقع السياسية والقبلية الأخرى، إنه جوع السلطة ونهم الحكم، يقول الباحث اللبناني مكرم رباح، لـ”سكاي نيوز عربية ( 2 أكتوبر 2018) “إن مقاربة رئيس الجمهورية وفريقه إلى السلطة والحكم، أثبتت جنوحا لا حدود له، فطمع الرئيس وصهره جبران باسيل باحتكار التمثيل المسيحي وحتى التطاول على حصص الجماعات الأخرى بات موثقا وواضحا”.
من ثمارهم نعرفهم، جاء بذريعة الاصلاح والتغيير، ها هو خربها، جاء بشعار القضاء على الطائفية السياسية والاقطاع والتوريث، فكان أول من ابتدع التوريث في رئاسة الجمهورية، وبدلاً من محاربة ذلك الاقطاع، أصبح على رأس العشيرة، وبدلا من القضاء على الطائفية بات وولي عهده شيوخ الطائفة، جاء لمحاربة الفساد والمفسدين وإعادة لبنان إلى تاريخه، ازدادت في عهده المديونية العامة وتفشت أكثر ظاهرة الفساد، وبدلاً من إعادة لبنان إلى تاريخه المجيد، أعاده لأجواء الحرب الأهلية.
من جهته ولي العهد جبران باسيل “رمز العهد القوي” لا داعٍ للتذكير بما كانت عليه شخصية يزيد بن معاوية، فقصته معروفة، لكن يكفي أن نذكر أنه هو من قصف مكة بالمنجنيق فدمرها، وهكذا فإن باسيل لديه كل الاستعداد لقصف بيروت كي يصل للرئاسة، لذلك عمل على إلغاء دور كل من يقف بطريقه من الطائفة المسيحية وبقية المكونات اللبنانية الأخرى، بعد أن كان قد ورث رئاسة التيار الوطني الحر، حينما تم استبعاد جميع منافسيه لشغل هذا المنصب، هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي فقد بدأ بمغازلة كل من اسرائيل وسورية لتحقيق هذا الهدف.
أما الشريك الثالث في العهد القوي رئيس الحكومة سعد الحريري، والذي أراد من جهته أن يقتفي طريق والده رفيق الحريري، لكن شتّان ما بين هذا وذاك، كان رفيق الحريري رجل مصالحة وسلم وإعمار، كان يرسل على نفقته الخاصة طلاب الجامعات اللبنانية المغلوب على أمرهم، حوالي أكثر من (30) ألف طالب علم، أرسلوا في بعثات علمية خارجية من مختلف الملل والأطياف، منهم من كان يلتحق للعمل بمؤسساته المختلفة رداً للجميل، هؤلاء وبقية المبتعثين كانوا رأسمال تيار المستقبل السياسي.
جاء الرئيس سعد الحريري ليقطع كل وصل مع هؤلاء، فبعد إفلاس شركة سعودي أوجيه، التي كانت يوماً من أكبر شركات المقاولات في العالم العربي تعمل في لبنان والسعودية (40) ألف عامل قبل إغلاقها بالعام 2017 سرحوا جميعاً دون الحصول على مستحقاتهم، وبعد اضطراب علاقته بالمملكة، يكون الحريري بذلك قد أفلس مادياً، لذا من الطبيعي أن تبادر أهم مؤسستين حريريتين (جريدة المستقبل وقناته التلفزيونية) لإقفال أبوابها على التوالي، ومع فقدانه عدداً من المقاعد النيابية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يكون بذلك الحريري قد أفلس سياسياً أيضاً، وبالتالي لم يعد أمامه من فرص تُذكر سوى التضحية بما تبقى من ارث والده السياسي والمالي لأجل الاستمرار بالكرسي.
ختاماً في مقابلة له مع القناة الوطنية التونسية في ٧ نيسان الماضي وصف الرئيس اللبناني ميشال عون ثورات الربيع العربي بـجهنم، يُذكر هنا أن عون هو الرئيس رقم (13) للجمهورية اللبنانية وما يرمز إليه هذا الرقم من شؤم لدى بعض المجتمعات، والسؤال هل تكنس جهنم لبنان اليوم الرئيس عون وولي عهده القوي، المستقوي بسلاح حزب الله، كما كَنَسَت من قبل كل من عهود القذافي وبن علي ومبارك وعلي عبدالله الصالح والبشير، الذين استقووا بسلطة الاستبداد والدولة؟

المصدر: اول مرة



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع