أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » ” تصريحات الأسد الصاخبة” والسقوط الوشيك : بقلم الباحث أسامة محمود آغي

” تصريحات الأسد الصاخبة” والسقوط الوشيك : بقلم الباحث أسامة محمود آغي

” تصريحات الأسد الصاخبة” والسقوط الوشيك

أسامة آغي

حين تضيق الدوائر على المرء، ويحس أنه عاجز عن فعل ما يريد، تجده يغضب ويصرخ، وكأنه يريد أن يعوض عجزه بهذا الغضب والصراخ.

هذا ما حدث مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، حين أدلى بتصريحات أحرجت حليفه الروسي، هذه التصريحات عبارة عن شتائم، تدل على عجز حقيقي يحس به النظام. ويمكن القول إن هذه التصريحات تسيء لحليفه الروسي، الذي يرتبط باتفاقات وتفاهمات مع الدولة التركية في “سوتشي” و”مسار أستانة”.

غضب النظام السوري مصدره التفاهمات الأمريكية – التركية، والتفاهمات الروسية – التركية، الخاصة بـ “شرق الفرات” أو شمال شرقي سوريا. هذا الغضب يعبر في طياته عن خوف عميق، تعيشه الحلقة الأولى في النظام (الرئيس وقادة الجيش والأجهزة الأمنية)، خوف مما يترتب على هذه التفاهمات بخصوص مسار التسوية السياسية، التي يتم العمل عليها وفق القرار 2254، حيث ستؤدي هذه التفاهمات إلى رجحان ثقل الدور التركي مع حلفائه السوريين من “الجيش الوطني” السوري في إقامة المنطقة الآمنة، ومنع النظام من السيطرة عليها.

غضب النظام كشف لحلفائه الروس أن ثمانية أعوام على الصراع السوري، لم تفد النظام، ولم تعمل على دفعه لإنتاج رؤية جديدة بشأن هذا الصراع، فالنظام لا يزال يعيش وهم قوته، وذهنية جبروت أجهزته الأمنية، التي استمرت معه من زمن ما قبل الثورة، التي أغرقته بتفاصيل ونتائج، لم يكن يتوقعها، نتيجة الصلف والانغلاق على بنيته الأمنية.

النظام لا يزال أسير هذه الذهنية الأمنية القهرية، رغم أن قوته العسكرية وقبضته الأمنية قد تراجعت بنسب كبيرة، وما نراه على الأرض من قوات مقاتلة ترفع رايته، ليست سوى ميليشيات أجنبية، هرعت لنجدته ومنع سقوطه.

ضعف النظام تظهره أمور كثيرة منها سيطرة حليفيه الروسي والإيراني على مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية، ويظهره التراجع المستمر بسعر عملته المحلية “الليرة السورية”، التي بلغ سعر صرفها أمام الدولار الأمريكي الواحد 700 ليرة سورية.

إن تصريحات الأسد، بإنكار عمل اللجنة الدستورية، عبر قوله: “إن الوفد الذي ذهب إلى جنيف، لا يمثل الحكومة السورية”، يأتي وفق إحدى حالتين: إما أن الوفد الخاص بالنظام شُكل خارج نطاق رأيه، أي أن الروس والإيرانيين الفاعلين بالقرار السياسي للنظام، هما من شكلا هذا الوفد، وأمرا بإرساله إلى جنيف، أو أن النظام وتحت ضغط شديد من الروس، شكل الوفد رغمًا عنه، وتصريحات رئيس النظام ليست أكثر من رسائل وهمية لحاضنته.

في الحالتين، فإن وضع النظام هو وضع يقترب من نهاية وجوده، وفق الصيغة التي أوصلت رأسه إلى سدة الرئاسة، هذه الصيغة التي أنشأها الأسد الأب، والتي تعتمد على هيمنة الأجهزة العسكرية والأمنية، باتت صيغة غير قابلة للحياة، نتيجة تطورات الأوضاع في البلاد، ونتيجة تغيرات واسعة إقليميًا ودوليًا، لذلك يمكن القول إن صيغة الحكم الأبدية، هي صيغة تحتضر الآن، وهي غير قابلة للتجدد والحياة.

وكي لا يبقى الأمر مجرد تخمينات لا قيمة لها، كشفت مقابلة رئيس النظام بشار الأسد مع قناة “RT” الروسية اضطرابًا عميقًا في إجاباته، فالروس، وبعد التصريحات النارية للأسد، قالوا: “إن روسيا أكدت الالتزام بمذكرة سوتشي الموقعة مع تركيا، وكذلك أكدت على دفع مسار عمل اللجنة الدستورية في جنيف، بصفتها نقطة التحول الأساسية، لدفع مسار التسوية السياسية بشكل عام في سوريا”.

وقد ذهبت وسائل الإعلام الروسية إلى أبعد من ذلك، حيث اتهمت هذه الوسائل خطاب النظام السوري بأنه “خطاب خشبي”، وطالبت بأن ينخرط النظام بشكل أوسع مع الجهود الروسية الهادفة إلى تعزيز مسار التسوية السياسية، بدلًا من الاكتفاء بالمفاخرة “بالانتصار” في الحرب السورية.

موقف الروس واضح وجلي، وهو يكشف تصميم الإدارة الروسية على الوفاء بالتزاماتها حيال الضامن التركي، ويكشف أيضًا للنظام ضرورة الانصياع للإرادة الروسية، التي تجاوب معها النظام عبر لقاء رئيسه مع موفد قناة “RT” الروسية، حيث أنكر رئيس النظام وجود تعذيب وقتل وبراميل، وهو يقول إن الشعب السوري الذي هجره ودمر بيوته هُجّر تحت وطأة عمليات إرهابية.

النظام السوري يدرك أن تشكيل اللجنة الدستورية، وبدء عمل هذه اللجنة تحت إشراف دولي، هو ليس بمصلحة وجوده وبقائه، ولهذا لا يريد أن يقر بدور هذه اللجنة ونتائجها اللاحقة، وهو يتوهم أنه قادر على رفض النتائج التي ستصدر عنها، فهذه اللجنة الدستورية هي محصلة تقاطعات وتفاهمات دولية، ليس بمقدور الأسد أو المعارضة بصورتها وبنيتها الحالية رفض عملها ونتائجها، وبالتالي قد تكون هناك خلافات شكلية، وصراعات محدودة حول فقرة أو فقرتين أو أكثر بقليل، ولكن جوهر الدستور الوليد واتجاهات الحكم القادم هي مدار اتفاق بين القوى الكبرى المنخرطة في الصراع السوري.

إذًا، نستطيع القول، إن “صخب النظام” ضد التفاهمات الأمريكية – التركية، والروسية – التركية، هو صخب من يعرف دنو أجله، وهو في الآن ذاته، لا يملك أوراقًا يقدر من خلالها تغيير هذه التفاهمات، ولذلك أراد النظام ملء الفراغ بالشتائم والاتهامات والرفض.

“صخب النظام” لا يستطيع تغيير واقع الحال السوري في هذه المرحلة، فالنظام خاضع للعقوبات، وحليفه الإيراني يعيش ذات الحالة وبصورة أقسى، ولهذا يكون الأسد مجبرًا على انتظار وتنفيذ قرار حُماته الروس، الذين وصلوا إلى قناعة عميقة، بأن الأسد لو دخل الانتخابات عام 2021، لن يحصل فيها على أكثر من 20% من أصوات الناخبين، وهم حاضنته، أو من يعيش تحت حكمه خائفًا.

هذه القناعة الروسية أظهرتها وسائل إعلام مقربة من الكرملين عبر مقال صريح وواضح، حيث جاء في المقال “أن مثل هذه التصريحات تساعد الأطراف الساعية لتقويض المسار السياسي، الذي تسعى موسكو مع شريكيها التركي والإيراني لدفعه في سوريا”.

هذه الحقيقة بات يعرفها النظام السوري، وهو يبحث عن صيغة تجنبه رفع الحماية الروسية عنه، وتجنبه الوقوف أمام المحاكم الدولية، التي ستحاكمه على جرائم ارتكبها نظامه، والإنكار والتجاهل لا قيمة لهما أمام أدلة دامغة تدينه، ولهذا فهو يعرف أنه ماضٍ إلى نهاية حكمه، وأن غضبه تعويض نفسي لن يبقيه في الحكم مدة أطول.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع