أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » الحرب “التركية-السورية” الباردة.. هل نجحت عملية “نبع السلام”؟

الحرب “التركية-السورية” الباردة.. هل نجحت عملية “نبع السلام”؟

لا أحد يعرف ما الذي جرى تفصيلا في المكالمة الهاتفية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترامب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قبل يومين فقط من قرار أنقرة بالتوغّل عسكريا في شمال شرق سوريا، لكن ما يعرفه الجميع الآن أن هذه المكالمة ستكون مُؤسِّسة لجدل محتدم بين واشنطن وأنقرة على مدار الأسابيع التالية وحتى هذه اللحظة.

ففي أعقاب المكالمة الغامضة، أعلن ترامب على الفور سحب القوات الأميركية من شمال سوريا، وتحديدا من منطقة ستتوغّل فيها القوات التركية بعد ساعات من ذلك الإعلان، وهو ما أعطى انطباعا أن ترامب منح أنقرة ضوءا أخضر بشنّ عمليتها العسكرية الهادفة بالأساس لدفع وحدات حماية الشعب الكردية بعيدا عن الحدود الجنوبية للبلاد، لكن ترامب عاد وأنكر بشدة موافقته على العملية العسكرية التركية؛ مؤكدا أن قرار سحب جنود بلاده من سوريا مرتبط بتوجّه إدارته لتقليص وجودها العسكري في الخارج ولا علاقة له بالتدخّل التركي بحال.

ومن أجل تأكيد موقفه، استجاب ترامب لدعوات الكونغرس وقام بفرض عقوبات على أنقرة بسبب العملية العسكرية شملت زيادة بنسبة 50% في الرسوم المفروضة على واردات الصلب، فيما قرّرت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على ثلاثة وزراء أتراك، وعلّقت وزارة التجارة المفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، ولم يكتفِ ترامب بذلك فحسب؛ لكن إدارته قامت بتسريب رسالة أرسلها إلى أردوغان يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أي في اليوم نفسه الذي بدأ فيه التدخّل العسكري التركي، حملت تهديدات صريحة منه للرئيس التركي بتدمير اقتصاد بلاده حال نفّذت تدخّلها في سوريا، فضلا عن كونها حوت في طياتها عبارات وُصفت بأنها “مُهينة” للرئيس التركي، ومتجاوزة للأعراف الدبلوماسية في التعامل بين الرؤساء.

لكن أردوغان تجاهل رسالة ترامب كما اتضح، وشرع في توغّله العسكري محتجا أن أنقرة لم تكن(1) تبحث عن ضوء أخضر أميركي للدفاع عن مصالحها في المقام الأول، وفي واقع الأمر، وفي اللحظة التي وقع فيها الاتصال الهاتفي بين ترامب وأردوغان؛ كانت تركيا قد حسمت قرارها بالفعل بالتدخّل، ولم يكن التواصل الهاتفي مع البيت الأبيض أكثر من محاولة متأخرة نسبيا لفرض الأمر الواقع واحتواء أكبر قدر ممكن من الأضرار.

فعلى عكس تدخّليها السابقين في سوريا عامي 2016 و2018، كانت تركيا تدرك هذه المرة أنها تخوض سباقا حقيقيا مع الزمن، وأن الأمر لن يستغرق بضعة أيام على الأكثر قبل أن تُجبرها الضغوط على إيقاف عمليتها، وكان التحدي الأكبر بالنسبة لأردوغان هو فرض أكبر قدر ممكن من الحقائق على الأرض عبر السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي ودفع خصومه من الأكراد السوريين إلى أبعد نقطة ممكنة عن الحدود التركية، قبل قدوم تلك اللحظة التي ستكون فيها أنقرة مضطرة لقبول وقف إطلاق النار والتفاوض حول حدود وشكل إدارة المنطقة الآمنة التي ترغب في ترسيخها في شمال شرقي سوريا.
اعلان

ويبدو أن ما حدث لم يخرج عن التوقعات التركية تماما، فبحلول السابع من عشر من أكتوبر/تشرين الأول أعلنت أنقرة وواشنطن عن تعليق مؤقت لوقف إطلاق النار من أجل السماح للأكراد بالانسحاب خارج المنطقة الآمنة التي حدّدتها تركيا، وفي وقت لاحق من الشهر نفسه أعلنت تركيا التوصل لاتفاق جديد مع روسيا لتسيير دوريات مشتركة في المنطقة، على أن تضمن موسكو ونظام “بشار الأسد” انسحاب الأكراد خارج المنطقة التي حدّدتها أنقرة سلفا، ما يعني أن تركيا نجحت -ظاهريا على الأقل- في تحقيق الهدف الذي شنّت عمليتها من أجله في المقام الأول.

عملية “نبع السلام” التي شنتها تركيا على سوريا (رويترز)

ولكن رغم هذا النجاح الظاهري، وعلى الرغم من المدى القصير نسبيا للعملية حيث لم تدم سوى ثمانية أيام تقريبا، فإن الأهمية الجيوسياسية لـ “نبع السلام” تتجاوز بكثير آثارها العسكرية المباشرة، وترتبط مباشرة بالديناميات الداخلية المتغيرة للسياسة التركية والأزمة السياسية المتفاقمة في البلاد، فضلا عن أنها ترقى لاعتبارها جزءا من عملية إعادة ترتيب شاملة لخارطة التحالفات الإقليمية في الصراع السوري، وهي تُشكِّل أيضا إحدى العلامات الفارقة في مقاربة تركيا تجاه الصراع المحتدم في سوريا منذ عام 2011، ومحطة من المحطات البارزة في علاقات تركيا طويلة الأمد مع جارتها العربية في الجنوب.

الحرب التركية – السورية الباردة

لم تكن العلاقات التركية السورية أبدا على ما يرام منذ حصول سوريا على استقلالها عام 1946 وحتى نهاية القرن العشرين تقريبا، وتعود(2) جذور الخلاف بين البلدين في العصر الحديث إلى عام 1938 حين اقتطعت تركيا لواء إسكندرون من الأراضي السورية بمساعدة الانتداب الفرنسي، أو ما يُعرف اليوم بمحافظة “هاتاي” الواقعة جنوب تركيا، وهو ما تسبّب في نشوب عداوة مبكرة بين البلدين على خلفية النزاع الحدودي الناشئ بينهما، خاصة أن سوريا ظلّت تنظر لمعظم المقاطعات الجنوبية التي سيطرت عليها الجمهورية التركية منذ عام 1923 كجزء لا يتجزأ من أراضيها التاريخية.

وسرعان ما تفاقم الخلاف بينهما بفعل التحالفات الإستراتيجية لكلٍّ منهما، ففي حين اختارت أنقرة تبنّي السياسات والتوجّهات الأطلسية الغربية، انحازت معظم الحكومات السورية إلى التوجّهات اليسارية والاشتراكية، ما وضع البلدين في مواجهة بعضهما بعضا خلال معظم الفترات، باستثناء الفترة القصيرة التي حكم خلالها الرئيس الأول للجمهورية السورية “حسني الزعيم” محاولا تبنّي سياسات مؤيدة من الغرب قبل أن يُطاح به في انقلاب عسكري بعد أربعة أشهر فقط من صعوده للسلطة عام 1949.

حسني الزعيم (مواقع التواصل)

بالتزامن مع ذلك، كانت تركيا تخوض تحوّلا داخليا خاصا بها إثر صعود الحزب الديمقراطي للسلطة أعقاب الانتخابات البرلمانية عام 1950، ليكسر بذلك هيمنة حزب الشعب الجمهوري منذ تأسيس الجمهورية عام 1923. ومع صعود الحزب الديمقراطي اتبعت حكومة “عدنان مندريس” نهجا أكثر راديكالية في التوجه للغرب سعيا للحصول على عضوية حلف “الناتو”، وهو ما تكلّل بالنجاح مع حصول أنقرة على عضوية الحلف الأطلسي في العام التالي مباشرة.

كان انضمام تركيا للناتو يهدف بالأساس إلى أن تعمل الأولى كحجر زاوية لتحالف عسكري مؤيد للغرب يهدف لمواجهة النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، تحالف تم أُعلِن عنه عام 1955 تحت اسم حلف بغداد، وضمّ في عضويته بجانب تركيا كلًّا من العراق وإيران وباكستان وبريطانيا، في حين رفضت بقية الدول العربية وفي مقدمتها سوريا الانضمام لتحالف تقوده تركيا بسبب تراث الخوف وعدم الثقة والنزعة المناهضة للأتراك التي تعود لزمان الحرب العالمية الأولى حين تدخّل العثمانيون لقمع الحركة القومية العربية، ولاحقا حين فشلت تركيا في التصويت لصالح قيام دولة فلسطين في الأمم المتحدة بسبب علاقتها المتنامية مع إسرائيل.

وردا على ذلك، انضمت سوريا إلى مصر في معاهدة عسكرية مناهضة لحلف بغداد، وبدأت في استيراد الأسلحة السوفيتية تزامنا مع زيادة نفوذ القوميين العرب في دمشق ممّن تأثروا بالنزعة القومية للرئيس المصري جمال عبد الناصر، ما دفع تركيا لشنّ غارات عسكرية على مواقع سوريا بالقرب من بحر الجليل في ديسمبر/كانون الأول عام 1955، وهي خطوة رد عليها السوريون بالدعوة إلى وحدة سياسية كاملة مع مصر.

ومع ترسيخ التحالف بين دمشق والقاهرة، أصبح الأتراك ينظرون لسوريا في ظلّ تزايد نفوذ “البعث” بوصفها مركزا مسلحا للتخريب وتغيير الأنظمة في المنطقة، نظرة تعزّزت بعد أن أطلقت أميركا مطلع عام 1957 ما صار يُعرف باسم “مبدأ أيزنهاور” لينص على تعهّدها بتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية وصولا لنشر القوات الأميركية لحماية أي دولة من أي عدوان مسلح من قِبل دولة أخرى تسيطر عليها الشيوعية الدولية، وهو مبدأ تم تكييفه على الفور لمواجهة صعود القومية العربية، وتمت مقابلته بترحيب واسع من قِبل تركيا وأعضاء حلف بغداد.

الوحدة بين سوريا ومصر (مواقع التواصل)

بحلول أغسطس/آب عام 1957، ردّت دمشق على عقيدة أيزنهاور بطرد ثلاثة مسؤولين أميركيين اتهمتهم بالتخطيط للإطاحة بالحكومة السورية بدعم تركي وعراقي، وفي الشهر التالي مباشرة قامت أنقرة بحشد 33 ألف جندي على حدودها مع سوريا، وفي المقابل قام “عبد الناصر” بإرسال ألفي جندي مصري إلى اللاذقية السورية تأكيدا لدعمه لحزب البعث، وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني كانت القوات التركية قد ابتعدت عن الحدود السورية مفسحة المجال للإعلان عن الاتحاد السياسي الكامل بين مصر وسوريا تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة في فبراير/شباط عام 1958.

غيَّر تشكيل الجمهورية العربية المتحدة موازين القوى في المنطقة بشكل كبير، وسرعان ما ألهم قيام انقلاب يوليو/تموز الشهير الذي أطاح بالملكية الموالية للغرب في العراق وأسّس نظاما اشتراكيا قوميا جديدا في بغداد، ومع مخاوف الولايات المتحدة من امتداد موجة التغيير العروبي المدعومة من دمشق والقاهرة إلى لبنان، فإن واشنطن قادت أول تدخّلاتها العسكرية في الشرق الأوسط بعدما قامت بإنزال قوات المارينز على شواطئ لبنان في يوليو/تموز عام 1958 دعما لنظام “كميل شمعون”، تدخّل سهّله نظام “مندريس” عبر السماح للقوات الأميركية باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية، رغم أن تركيا لم تشارك في الجهد العسكري بشكل مباشر على ما يبدو.

لكن سياسات مندريس المغامرة ظلّت مصدرا(3) للخلاف السياسي في الداخل التركي، وفي حين أن حزب الشعب الجمهوري المعارض كان داعما للسياسات المؤيدة للغرب، فإن رئيس الحزب آنذاك “عصمت إينونو” لم يكن متوافقا مع السياسات التدخّلية لحكومة مندريس، وكان هذا الخلاف السياسي أحد الأسباب المؤدية في نهاية المطاف إلى انقلاب عام 1960 العسكري ليحمل الجنرال “جمال غورسل” إلى رأس السلطة التركية رسميا عام 1961. وفي حين جدّدت الحكومة التركية الجديدة التزام سلفها تجاه الناتو وحلف بغداد، فإنها أعلنت نيّاتها تحسين علاقاتها مع العالم العربي، حيث كانت أنقرة تأمل في تغيير صورتها كوكيل للمصالح الغربية في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه كسب الأنظمة العربية لصفها في القضية القبرصية.

الجنرال “جمال غورسل” (مواقع التواصل)

نتيجة لذلك، كانت تركيا هي ثاني دولة -بعد الأردن- تعترف بالنظام السوري بعد إعلان سوريا الانفصال عن مصر، ورغم أن الدولتين اتفقتا ضمنيا منذ ذلك الحين على تجاهل الخلافات المرتبطة بالحرب الباردة، ظلّت هناك الكثير من المشكلات التي عكّرت صفو العلاقات الثنائية، على رأسها الخلافات الحدودية وقضية التهريب غير القانوني الذي دفع تركيا لتلغيم مناطق كبيرة من حدودها المشتركة مع سوريا والبالغ طولها 835 ميلا، وهي مشكلات استمرت في فرض نفسها على أجندة العلاقات بين البلدين حتى مطلع الثمانينيات.

لكن القضية الأكثر إثارة(4) للخلاف بين البلدين في ذلك التوقيت كانت هي قضية المياه، حيث مكّنت الجغرافيا تركيا من معظم مياه نهر الفرات التي تصب في سوريا والعراق، وهو وضع سعت أنقرة للاستفادة منه من السبعينيات عبر بناء عدد من السدود على النهر لتوفير المياه للزراعة وتوليد الطاقة الكهرومائية، غير أن مشاريع المياه التركية كان لها آثار سياسية كبيرة، فمن ناحية تسبّبت في إثارة غضب سوريا التي حُرمت من المياه خلال أوقات الجفاف النسبي، ومن ناحية أخرى فإن السدود أثارت توترات كبيرة مع الأكراد بسبب قيام أنقرة بتهجير عشرات القرى الكردية من سكّانها بسبب هذه المشاريع.

كانت هذه القضية المشتركة هي ما دفعت سوريا لتصبح أول دولة أجنبية تُقدِّم الدعم لحزب العمال الكردستاني في تمرّده المسلح ضد الدولة التركية، حيث سمح(5) نظام الرئيس السوري “حافظ الأسد” لزعيم الحزب “عبد الله أوجلان” بالإقامة في دمشق، وفتح له ثلاثة معسكرات في ريف دمشق جرى من خلالها تدريب آلاف المقاتلين بمعرفة الاستخبارات السورية بهدف استخدام الحزب كورقة ضغط ضد أنقرة، ليبلغ النزاع بين البلدين ذروته عام 1998 حين هدّدت تركيا باجتياح الأراضي السورية لوقف هجمات حزب العمال، قبل أن تتدخّل مصر للتوسط بين الطرفين وإنهاء النزاع رسميا بتوقيع اتفاقية “أضنة” لتنص على خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا، فيما تم إبعاد “أوجلان” إلى روسيا ثم إيطاليا وصولا لكينيا حيث اختطفته المخابرات التركية ونقلته للسجن عام 1999، ليُعلن في العام التالي إنهاء التمرد الكردي المسلح ضد الدولة، بشكل مؤقت كما اتضح فيما بعد.

العمق الإستراتيجي؛ تصفير المشكلات

هدأت العلاقات نسبيا بين الطرفين أعقاب اتفاقية أضنة، ما فتح المجال لقيام الرئيس التركي “أحمد نجدت سيزر” بزيارة دمشق عام 2000، لكن العلاقات التركية-السورية اتخذت منعطفا جديدا تماما مع صعود حزب العدالة والتنمية للسلطة، ليكون له الدور الأكبر في تحويل تلك العلاقات من دوامة الخلافات والصراعات لعصر من التعاون والتفاهم.

كان صعود العدالة والتنمية مصحوبا بتحوّل راديكالي في سياسة تركيا الخارجية لتنتقل من موقفها التقليدي كحارس أمين للقيم والمصالح الغربية إلى نهج “العثمانية الجديدة” أو عقيدة “العمق الإستراتيجي”، وتُعَدُّ هذه العقيدة بشكل رئيس من بنات أفكار مهندس السياسة الخارجية التركية الأول “أحمد داود أوغلو”، مَن رافق أردوغان في رحلة صعوده وعمل مستشارا له ثم وزيرا للخارجية في حكومته ثم رئيسا للوزراء بعد تولّي الأول لرئاسة الجمهورية، وتأخذ(6) عقيدة العمق الإستراتيجي بالاعتبار كون تركيا دولة متعددة الأبعاد الإقليمية، فهي بلد شرق أوسطي ذو طموحات غربية، وفي الوقت نفسه متصلة جغرافيا وثقافيا وعِرقيا بأشكال متعددة بمناطق البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى وبحر قزوين والبحر المتوسط والخليج والبحر الأسود، بما يعني أن على تركيا أن تجد مقاربة للسياسة الخارجية تُراعي انتماءاتها المتعددة هذه، وألّا تنحاز لأحد هذه الانتماءات على حساب الأخرى.
اعلان

وفي قلب سمات سياسة العمق الإستراتيجي هذه ظهرت لأول مرة مقاربة “صفر مشاكل مع الجيران”، وهي مقاربة قائمة على فكرة أن تركيا بحاجة إلى تحسين علاقاتها مع جميع جيرانها، وتصفية جميع صراعاتها التاريخية، وكان تطبيق هذه السياسة يعني أن حكومات العدالة والتنمية في طريقها لتطبيق مقاربة أقل “أمنية” وأكثر “ليبرالية” تجاه الجوار الشرقي لتركيا وفي القلب منه سوريا، ما بشّر بوضوح بظهور نسخة جديدة من العلاقات المحسّنة غير المسبوقة بين أنقرة ودمشق.

روّج أردوغان بقوة لسردية التعاطف الإسلامي ودعا المسلمين السُّنة في البلاد للتضامن مع “إخوانهم السوريين” الفارّين من القمع “الشيعي العلوي” لنظام الأسد
الجزيرة

فمنذ الوهلة الأولى، رفض قادة حزب العدالة والتنمية المشاركة في سياسات العزل والحصار التي فرضها الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش على سوريا بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، وعلى النقيض، ساعد الساسة الأتراك الحكومة السورية على قبول هذه المرحلة الصعبة من خلال لعب دور الوساطة بين دمشق ومختلف الحكومات الأوروبية، وعلى الجانب السوري قرّرت القيادة السورية الاستثمار في علاقتها الجديدة مع تركيا، متناسية الذاكرة التاريخية للخلافات بين البلدين، وغاضّة الطرف عن عضوية أنقرة المثيرة للجدل في حلف الناتو.

على المستوى الاقتصادي، تبنّت تركيا وسوريا نهجا تجاريا مفتوحا، ووقّع البلدان اتفاقية للتجارة الحرة دخلت حيز التنفيذ عام 2007، قبل أن يتوصلا لاتفاق لإنهاء متطلبات التأشيرة بينهما عام 2009، وبفضل هذه الإجراءات تضاعفت صادرات تركيا لسوريا ثلاث مرات بين عامي 2006 و2010 وصولا إلى 1.85 مليار دولار، فيما ارتفعت قيمة الصادرات السورية إلى تركيا من 187 مليون دولار إلى 662 مليون دولار خلال الفترة نفسها، وانخرط البلدان في عدد من مشاريع البنية التحتية المشتركة، بما في ذلك “سد الصداقة” على نهر العاصي في محافظة هاتاي الهادف لتوفير المياه للأراضي السورية والتركية جنبا إلى جنب.

ووفقا لدراسة(7) الباحث “فرانسيسكو ديليما” في معهد الشؤون الدولية الإيطالي؛ فإن هذه المبادرة الإقليمية تجاه سوريا كانت هي الإنجاز الأهم للسياسة الخارجية التركية، حيث مثّلت سوريا منذ ذلك الحين بوابة لعبور تركيا للعالم العربي ومفتاحا لتكامل اقتصادي أوسع مع دول المنطقة، وقد أغرى هذا الإنجاز أنقرة لتقديم نفسها كوسيط في محادثات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل حول هضبة الجولان، ولكن في الوقت الذي بدأت فيه جهود تركيا تُحقّق بعض التقدّم، تسبّب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008 في تراجع جهود الوساطة التركية وخلق إحباطا كبيرا لدى أنقرة، ورغم ذلك فإن العلاقات المُحسّنة حافظت على مسارها الجيد بشكل كبير، مما أغرى تركيا للاندفاع لمرحلة متقدمة من العمق الإستراتيجي عبر تقديم نفسها راعيا جديدا للعالم الإسلامي.

تركيا وجدت نفسها بموقف حرج مع قيام الثورة السورية، فمن ناحية أرادت الحفاظ على علاقاتها مع دمشق خلال السنوات الأخيرة، ومن ناحية أخرى فإن دعم نظام استبدادي كان ليضر بصورة تركيا “المثالية”
رويترز

في ذلك التوقيت، كانت الأمور قد استتبّت داخليا بالنسبة لأردوغان، وبات من الواضح أن سياسات العمق الإستراتيجي الخارجية وإستراتيجيات التحفيز الاقتصادي الداخلية قد آتت ثمارها ورسّخت حكم العدالة والتنمية، فيما كانت المعارضة العلمانية راكدة بشكل كبير، وفي ضوء ذلك شرعت تركيا في برنامج طموح لإبراز قوّتها الناعمة على المستوى الشعبي من خلال أجندة تمزج بين القومية التركية والإسلام السني المعتدل، وباعتبار تركيا هي الوريث الشرعي للإمبراطورية العثمانية، ومع تبنّيها لنسخة دينية معتدلة تمزج بين الإسلام والديمقراطية، فقد كانت مؤهّلة من وجهة نظر أردوغان والعدالة والتنمية للعب دورها كقائد طبيعي لمسيرة استعادة الحضارة الإسلامية.

تماشيا مع ذلك، قام أردوغان وحزبه بنشر القوة الناعمة(8) لتركيا في جميع أنحاء العالم الإسلامي عبر تمويل المساجد والمؤسسات الدينية والمراكز الثقافية والجمعيات الخيرية والبعثات التعليمية الدينية من أفريقيا لأوروبا، ومن أقصى شرق آسيا إلى جنوب أميركا اللاتينية، لكن الشرق الأوسط على وجه الخصوص ظلّ منطقة عصيّة على أنشطة التواصل الديني التركية بسبب نظرة العديد من الدول العربية إلى تركيا العثمانية كـ “قوة إمبريالية”، وبسبب هيمنة إصدارات أخرى من التدين السياسي وفي مقدمتها التدين السلفي السعودي الذي يميل بشكل أكبر للبحث عن الاستقرار وترسيخ الأوضاع القائمة، ولا يُبالي بالديمقراطية والتغيير السياسي ضمن مكوّناته، وقد ظلّ هذا الوضع المستعصي قائما وحاكما للعلاقات الحضارية بين تركيا ومحيطها الشرق الأوسطي حتى لحظة اندلاع ثورات الربيع العربي نهاية عام 2010، باستثناء بعض النخب الإسلامية العربية التي بدأت تنظر لتركيا قبل الربيع كنموذج محتمل للتوفيق بين الحكم الإسلامي والديمقراطية الغربية.

التبشير الديمقراطي

ألقى الربيع العربي وخروج الشعوب للمطالبة بالحرية والديمقراطية حجرا في محيط تركيا الإقليمي الراكد سياسيا إلى حدٍّ كبير، ليُقدِّم ذلك الربيع لأنقرة فرصة ذهبية للاختراق الناعم لجوارها العصيّ ثقافيا وسياسيا، لكن الاستفادة من الربيع عنت أن على تركيا إدخال تغييرات ملحوظة على نهجها الإقليمي، بما يشمل إعادة النظر في بعض سياسات عقيدة العمق الإستراتيجي وخاصة مبدأ “صفر مشاكل مع الجيران” مقابل اضطلاع تركيا بدور أكثر طموحا. وتماشيا مع طموحات الداعين للتغيير في البلاد العربية، قدّمت تركيا نفسها صراحة بوصفها راعية لعملية إرساء الديمقراطية في الشرق الأوسط، معتقدة أن نشر النموذج التركي في التحديث والديمقراطية من شأنه أن يجعلها قائدا إقليميا في منطقة أكثر ازدهارا.

مع ازدياد قمع نظام الأسد تجاه المتظاهرين السوريين واستخدامه للقوة العسكرية الباطشة لمواجهتهم، بدأت تركيا في تغيير نهجها وشرعت في استضافة وتسليح جماعات المعارضة السورية
الجزيرة

ونتيجة لذلك، قدّمت تركيا دعما مطلقا لثورات الربيع العربي في تونس ومصر منذ اللحظة الأولى، لكن الوضع في سوريا بالأخص كان مختلفا، وكانت العلاقات مع دمشق أحد أهم نجاحات سياسة “صفر مشاكل” التي تبنّاها حزب العدالة والتنمية منذ صعوده إلى السلطة، ونتيجة لذلك فإن تركيا وجدت نفسها في موقف حرج مع قيام الثورة السورية، فمن ناحية أرادت الحفاظ على المكتسبات السياسية والاقتصادية لعلاقاتها مع دمشق خلال السنوات الأخيرة، ومن ناحية أخرى فإن دعم نظام استبدادي أو السكوت عنه كان ليضر صورة تركيا “المثالية” الجديدة في العالم العربي.

ونتيجة لهذه الموازنة أتى رد فعل تركيا المبدئي على الاحتجاجات السورية على هيئة محاولة إقناع نظام الأسد نفسه بقبول مطالب الشعب، وكان هذا النهج مستندا إلى افتراض أن العلاقات التركية السورية المُحسّنة، وفي القلب منها العلاقات الشخصية التي طوّرها أردوغان مع نظام الأسد، ستكون كافية لمنح أنقرة ما يكفي من النفوذ على دمشق، وبخلاف ذلك كان أردوغان يعتقد -مخطئا كما اتضح بعدها- أن لدى الأسد الابن نزعة ليبرالية من شأنها أن تدفعه لاختيار التوجه نحو الإصلاح بدلا من العناد واستخدام العنف، ولذا فإن أردوغان شعر بالخيانة فيما يبدو حين بدأ الأسد في فتح النيران الكثيفة على المتظاهرين السلميين، حيث تغيّرت نظرته الشخصية تجاه الأسد تزامنا مع تلك اللحظة التي تحوّلت فيها سياسة بلاده تجاه سوريا، كما قال هو بنفسه(9) في مقابلته مع “إيشان ثارور” من مجلة “تايم” أواخر عام 2011.

فمع ازدياد قمع نظام الأسد تجاه المتظاهرين السوريين واستخدامه للقوة العسكرية الباطشة لمواجهتهم، بدأت تركيا في تغيير نهجها وشرعت في استضافة وتسليح جماعات المعارضة السورية خاصة تلك المرتبطة بالإخوان المسلمين تزامنا مع قرارها بقطع العلاقات مع دمشق والمطالبة بتغيير شامل للنظام، وكان هذا التحوّل يستند إلى افتراض أن النظام البعثي سينهار قريبا أُسوة بسائر أنظمة الدول التي ضربها الربيع العربي، وأن الولايات المتحدة والدول الغربية ستتدخّل في نهاية المطاف للمساعدة في الإطاحة بالنظام الدموي أُسوة بما حدث مع نظام القذافي في ليبيا.

بالتزامن، انتهج العدالة والتنمية سياسة الحدود المفتوحة مع سوريا سامحا بعبور مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى تركيا حيث حصلوا على مساعدات مالية سخية وخدمات موسعة في مخيمات اللاجئين، وخوفا من اندلاع رد فعل سلبي من الأتراك تجاه اللاجئين الذين مثّلوا عبئا اقتصاديا وديموغرافيا لا يمكن إنكاره على الدولة التركية، روّج(10) أردوغان بقوة لسردية التعاطف الإسلامي ودعا المسلمين السُّنة في البلاد للتضامن مع “إخوانهم السوريين” الفارّين من القمع “الشيعي العلوي” لنظام الأسد، مُشبِّها هؤلاء السوريين بالمهاجرين الذين فروا مع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- هربا من البطش خلال السنوات الأولى للإسلام، فيما شبّه الأتراك بالأنصار الذين استضافوا المهاجرين وآووهم، وقد لاقى هذا السرد الوجداني فيما يبدو قبولا في الدوائر الدينية والقومية في البلاد، وساعد أردوغان على تجنّب التداعيات المبكرة للصراع السوري.

ولكن افتراضات تركيا حول نظام الأسد أثبتت أنها خاطئة، وبدلا من الإطاحة بالأسد؛ دمّرت الحرب الأهلية الدولة السورية تماما، في حين فشلت المعارضة المدعومة من أنقرة في قلب المعادلة بسبب التدخّل الروسي والإيراني الذي ساعد نظام الأسد على استعادة الكثير من الأراضي التي انتزعتها المعارضة منه، وبخلاف ذلك بدأ الصراع في سوريا يُهدّد العلاقات الخارجية لتركيا وتحديدا منذ قيام النظام السوري بإسقاط طائرة تركية في صيف عام 2012 ورفض الناتو التدخّل لمساندة أنقرة، لتبدأ موجة من التوتر في علاقات تركيا مع الغرب أضافت إلى علاقات تركيا المتوترة بالأساس مع إيران وروسيا بفعل الأزمة السورية.

بخلاف ذلك، أثبتت الحرب سريعا أن لها آثارها الجانبية الخاصة على الداخل التركي، فبخلاف الاشتباكات المتكررة على حدودها كانت هناك عدة ظواهر مرتبطة بالحرب ألقت بظلالها الكثيفة سياسيا وأمنيا على الدولة التركية، أولها هو ظهور الجماعات الجهادية وبالأخص “تنظيم الدولة الإسلامية” الذي سيطر على مساحات كبيرة من الأراضي في سوريا والعراق، ومع ظهور هذه الجماعات تحوّلت(11) تركيا إلى نقطة عبور للمقاتلين للأجانب، ونظرا لأن أنقرة اختارت غض الطرف عن أنشطة بعض هذه الجماعات على أراضيها أملا أن ذلك سوف يُضعف نظام الأسد في نهاية المطاف، فإن هذا التوجّه أثّر سلبا على السمعة التركية في دوائر السياسة والرأي العام في الغرب مع اتهامات متكررة لأنقرة بتقديم الدعم للجهاديين، وهي اتهامات نفتها تركيا رسميا مرارا وبشدة، فضلا عن أن هذه الإستراتيجية انقلبت حين قرّر “تنظيم الدولة” توجيه سلاحه ضد الدولة التركية بداية من يوليو/تموز 2015.

بخلاف ذلك، فإن تركيا سرعان ما اكتشفت أن الحرب في سوريا لم تكن مجرد قتال بين النظام ومعارضيه الإسلاميين، لكنها شملت الأكراد أيضا، وكانت تلك أنباء سيئة من الناحية الإستراتيجية للنظام التركي الناظر دوما إلى حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا باعتبارها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يحمل تاريخا من التمرد الدموي ضد الدولة التركية، وما جعل الأمور أسوأ بالنسبة لأنقرة أن أكراد سوريا حصلوا على دعم كبير من واشنطن لكونهم القوة البرية الأكثر كفاءة في القتال ضد “تنظيم الدولة”.

ونتيجة لذلك، فإن تركيا سعت خلال المرحلة الأولى من الحرب في سوريا إلى تبنّي موقف معتدل(12) تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي والقبول بدور الأكراد في الحرب ضد “تنظيم الدولة”، لدرجة أن أنقرة سمحت لقيادات الحزب بالعمل على أراضيها وحافظت على قنوات الحوار مفتوحة معهم، فيما سعى أردوغان لاستخدام علاقاته الشخصية مع “مسعود بارزاني”، زعيم إقليم كردستان العراق، لمنع حزب الاتحاد الديمقراطي من السيطرة الكاملة على سوريا، وقام برعاية تأسيس المجلس الوطني الكردستاني، الشريك التابع لحزب بارزاني الديمقراطي الكردستاني، ليعمل كمنافس قوي لحزب الاتحاد الديمقراطي، قبل أن تدعم أنقرة جهود “بارزاني” نفسه للوصول إلى اتفاق لتقاسم السلطة بين المجلس الوطني الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني في يوليو/تموز عام 2012.

حتى ذلك التوقيت كانت العلاقة بين الحكومة التركية والأكراد في البلاد في أفضل حالاتها على ما يبدو بفضل مفاوضات السلام التي قادها العدالة والتنمية متبنّيا مقاربة تصالحية تجاه مطالبات الأكراد في تركيا بالمزيد من الحكم الذاتي ومنحهم حقوقا لغوية وثقافية غير مسبوقة، وسعى للتوصّل إلى اتفاق سلام دائم مع حزب العمال الكردستاني بعد وقف إطلاق النار الأخير الذي تم التوصّل إليه عام 2013، لكنّ كل شيء انهار فجأة خلال الأشهر التالية إثر قيام “تنظيم الدولة” بمحاصرة المدن الكردية في سوريا واتهام حزب الاتحاد الديمقراطي للمجلس الوطني الكردستاني وتركيا بدعم حصار التنظيم لمدينة كوباني ذات الأغلبية الكردية على الحدود السورية التركية، فيما جاء تفجير سروج في يوليو/تموز 2015 ليصبّ الزيت على عملية السلام التركية الكردية المشتعلة بالفعل، وردا على استهداف “تنظيم الدولة” لنشطاء موالين للأكراد، قام حزب العمال الكردستاني بتجديد تمرّده واستهدف عددا من ضباط الشرطة الأتراك مما أدّى إلى انهيار عملية السلام بشكل رسمي.

حزب العمال الكردستاني (رويترز)

في الوقت نفسه، كان لنتائج الانتخابات البرلمانية في يونيو/حزيران 2015 تأثيرها الخاص(13) على موقف أردوغان من الأكراد، حيث كان الزعيم التركي يأمل بأن السلام مع حزب العمال الكردستاني سيرسّخ الموقف السياسي لحزبه من خلال ضمان تصويت الأكراد وزيادة الدعم الشعبي لخطة التحوّل للنظام الرئاسي، وبدلا من ذلك فإن الانتخابات شهدت أداء ضعيفا للعدالة والتنمية الذي خسر الأغلبية المطلقة في البرلمان للمرة الأولى منذ صعوده للسلطة، وفي الوقت نفسه كان أداء حزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد أفضل من المتوقّع، حيث حصل على 13.1% من الأصوات و80 مقعدا برلمانيا، وكانت هذه المرة الأولى التي ينجح فيها حزب كردي في تجاوز العتبة الانتخابية المحددة بواقع 10% من الأصوات.

حمّل أردوغان الأكراد مسؤولية الإخفاق الانتخابي على ما يبدو، وبعد أن فشلت محاولات تشكيل حكومة ائتلافية، استخدم الرئيس سلطته للدعوة لانتخابات جديدة، فيما هيمن الخطاب المعادي للأكراد على الحملة الانتخابية الجديدة للحزب في محاولة لنزع الشرعية عن حزب الشعوب الديمقراطي واستقطاب الناخبين القوميين، خطاب ازداد شراسة مع استيلاء وحدات حماية الشعب على مساحات أوسع من الأراضي على طول الحدود السورية-التركية، ومع الإعلان عن تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في أكتوبر/تشرين الأول 2015 لتعتبرها أنقرة على الفور فرعا لحزب العمال الكردستاني، بالنظر إلى أن مكاسب الأكراد السوريين أغرت(14) حزب العمال للتخلي بشكل كامل عن مفاوضاته مع الحكومة وشنّ حملة تمرد مسلح قبلها -في صيف العام المذكور- بهدف الاستيلاء على المدن في جنوب شرق تركيا بالأسلوب نفسه الذي اتّبعه الأكراد السوريون.

ورغم أن تركيا أخمدت حملة الاستيلاء العسكري مباشرة، فإن حزب العمال الكردستاني واصل شنّ هجمات منفصلة ضد أهداف حكومية وعسكرية تركية مختلفة، مستلهما تجربة وحدات حماية الشعب، وهو ما دفع الحكومة من جانبها لتعزيز خطابها المناهض للأكراد الذي أثبت فاعليته مع استعادة العدالة والتنمية للأغلبية البرلمانية خلال الانتخابات المبكرة التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني للعام نفسه، ومع اتجاه الحزب في وقت لاحق للتحالف مع حزب الحركة القومية اليميني المناهض للأكراد، فإن ذلك عنى رسميا دق آخر مسمار في نعش عملية السلام مع الأكراد في تركيا.

القومية التركية

تغيّرت خريطة أردوغان في سوريا بشكل ملحوظ تزامنا مع هذه التحوّلات، حيث أصبحت أنقرة أكثر تصميما على إحباط أي جهود للحركة الكردية لترسيخ وجودها في الشمال السوري، فيما تراجعت جهود أنقرة الهادفة للإطاحة بالأسد كأولوية خلف الهاجس الأكثر إلحاحا المتمثّل في منع إقامة حكم ذاتي للأكراد السوريين على الحدود الجنوبية لتركيا.
اعلان

وللمفارقة، فإن التطورات الداخلية التي شهدتها تركيا هذه الفترة عزّزت من وتيرة هذا التحوّل بشكل ملحوظ، بداية من استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو من منصبيه الوزاري والحزبي في مايو/أيار 2016 إثر خلافات مع أردوغان كان الملف الكردي واقعا في القلب منها، ثم محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة ضد أردوغان منتصف العام نفسه، والتي دفعته لتسريع جدول أعمال التحوّل لدولة رئاسية ومنح صلاحيات موسعة للرئيس خلال الاستفتاء الذي تم إجراؤه في أبريل/نيسان 2017.

كان لهذه التطورات انعكاسات واضحة على السياسة الخارجية التركية في سوريا، خاصة أنها جاءت متزامنة مع تطورات إقليمية لا تقل أهمية. فمن ناحية، كان من الواضح أن التدخّل الروسي في سوريا عكس موازين القوى لصالح الجبهة المؤيدة للأسد، فيما بدا أن واشنطن تصالحت مع هذه الحقيقة، وفي الوقت نفسه كان من الواضح أن الشرق الأوسط بات أكثر تشكّكا في القيادة التركية بعد انقلاب ديناميات الربيع العربي أعقاب الانقلاب العسكري في مصر والحملة الإقليمية الشرسة ضد جماعة الإخوان، صديق تركيا الافتراضي، ولاحقا الحصار الذي تم فرضه ضد قطر، حليف أنقرة الرئيس الحالي في الخليج، وهي تطورات وقعت في ظلّ مناخ مغلّف بخطاب قومي مناهض لأجندة تركيا السياسية والدينية.

في هذا السياق، وجدت تركيا نفسها معزولة أكثر من أي وقت مضى، ما دفع أردوغان لمحاولة تطوير موقف أكثر براغماتية تجاه الصراع السوري. فبادئ ذي بدء، كان على أنقرة أن تعترف -ضمنيا على الأقل- أن إزاحة الأسد لم يعد هدفا واقعيا يمكن تحقيقه في ظلّ وجود “تنظيم الدولة” وتقوية حزب الاتحاد الديمقراطي لموقفه على الحدود السورية، وفي ظلّ عجز تركيا مرارا عن إقناع واشنطن بالتخلّي عن الأكراد ومراعاة المخاوف الأمنية لأنقرة؛ فإنها قرّرت التصرف بمفردها، وكانت أولى خطواتها في هذا الصدد التقرب من موسكو وتقديم اعتذار لها عن قيام قوات الدفاع الجوي التركي بإسقاط طائرة روسية اخترقت الأجواء في وقت سابق، ومع إقرار أنقرة أن الإطاحة بالأسد لم يَعُد من أولوياتها فإنها نجحت في الحصول على مباركة موسكو لخطتها الخاصة للتعامل مع التهديد الكردي الأكثر أهمية وإلحاحا.

كانت البداية في أغسطس/آب 2016 حين دشّنت تركيا عملية ضخمة تحت اسم “درع الفرات” في المنطقة بين نهر الفرات إلى الشرق والمنطقة المحيطة بأعزاز إلى الغرب، وكان الهدف العسكري الرسمي(15) لهذا التدخّل هو القضاء على وجود “تنظيم الدولة” قرب الحدود التركية، ولكن العملية هدفت في الوقت نفسه إلى منع أكراد سوريا من وصل الكانتونات الواقعة تحت سيطرتهم في كلٍّ من كوباني وعفرين، ورغم أن روسيا انتقدت العملية التركية بشكل رسمي فإن قوات النظام السوري لم تفعل شيئا لاعتراض العملية التركية، لتنتهي رسميا في مارس/آذار 2017 بسيطرة تركية على جرابلس والباب والعديد من القرى في شمال غرب سوريا ومنع الأكراد من وصل أماكن وجودهم في كوباني وعفرين، غير أن أنقرة كانت مضطرة لإنهاء العملية قبل تحقيق طموحاتها بالوصول إلى منبج بسبب الضغوط الأميركية المكثفة لإنهاء القتال.

بالتزامن مع ذلك، شاركت تركيا مع كلٍّ من روسيا وإيران في رعاية المفاوضات بين النظام السوري وممثلي المعارضة في نور سلطان “آستانا سابقا” (كازاخستان)، حيث تم التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار وإنشاء مناطق لخفض التصعيد، اتفاق انتهكه النظام السوري في أكثر من مناسبة بدعم روسي ونجح بفضله في تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة من خلال اختراق الهدنة، لكن روسيا في المقابل واصلت منح الضوء الأخضر لتركيا لمواصلة عملياتها العسكرية ضد الأكراد في سوريا من خلال العملية “غصن الزيتون” التي تم إطلاقها في يناير/كانون الثاني عام 2018.

كانت “غصن الزيتون” تهدف في الحقيقة إلى إكمال ما بدأته تركيا خلال “درع الفرات” وهو إحكام السيطرة على الجزء الشمالي الغربي من سوريا المتاخم للحدود التركية، هذه المرة عبر الاستيلاء على عفرين، المدينة ذات الأغلبية الكردية، والقرى المجاورة لها، ولكن على عكس “درع الفرات” التي جرت في أراضٍ عربية، فإن “غصن الزيتون” وقعت(16) بالأساس في مناطق تقطنها أغلبية كردية، وهو ما جعل تقدّم تركيا أكثر صعوبة وقدرتها على الاحتفاظ بالأراضي وفرض السيطرة على المنطقة أكثر تكلفة.

لكن التعقيدات العسكرية والأمنية لم تكن هي التي أوقفت بالأساس التقدم التركي في سوريا، حيث كان على أنقرة أن تمنح نفسها بعض الوقت لاستكشاف سياسة الإدارة الأميركية الجديدة في سوريا، ورغم أن إدارة ترامب أعلنت في البداية أن الإطاحة بنظام الأسد لم تكن أولوية لها وأنها بصدد تقليص نشاطها في الملف السوري، فإنها سرعان ما عكست هذا الموقف في أبريل/نيسان عام 2017 حين قرّرت توجيه ضربة عسكرية خاطفة باستخدام صواريخ توماهوك كرد فعل على قيام الأسد باستخدام الأسلحة الكيميائية، ومع تطوير الإدارة الأميركية لموقف أكثر صرامة في مواجهة إيران فإنها قرّرت العودة من جديد للعبة السورية، وقامت بشحن دفعات أسلحة إلى الأكراد السوريين المشاركين في القتال ضد “تنظيم الدولة” رغم الاعتراضات التركية الكبيرة.

على مدار الأشهر التالية، انخرط(17) الأتراك في مفاوضات ماراثونية مع الإدارة الأميركية لمحاولة إقناعها بتبنّي رؤيتهم لإقامة منطقة عازلة بعرض 20 ميلا لتوطين اللاجئين على الحدود وإجبار الأكراد على الانسحاب خارج المنطقة، وهددت أنقرة في أكثر من مناسبة بتوسيع توغّلها العسكري بشكل منفرد إلى الجزء الشمالي الشرقي من سوريا حال فشلت واشنطن في الاستجابة لمطالبها، لكن الأخيرة لم تنجح على الأرجح بإقناع وحدات حماية الشعب بهذه الخطة، حيث عرض الأكراد الانسحاب من مسافة عرضها خمسة كيلومترات من المناطق غير المأهولة بالسكان على الحدود، ويبدو أن الحل الوسط الذي قدّمه الأميركيون بتقليص حجم المنطقة العازلة إلى 15 كيلومترا على طول ثلث مساحة الحدود التركية السورية شرق الفرات لم يفلح في إقناع أنقرة، ما تسبّب في فشل المفاوضات بسبب التباين الكبير في المواقف والاختلاف حول نطاق المنطقة العازلة المقترحة.

في الوقت نفسه كانت الضغوط الداخلية(18) تتكثّف بشكل غير مسبوق على تركيا منذ الانتخابات البلدية في مارس/آذار للعام الحالي 2019 والتي خسر فيها العدالة والتنمية في كل البلديات الكبرى تقريبا للمرة الأولى منذ صعوده للسلطة، ورغم أن هذه الخسارة يمكن عزوها للأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد، فإنها عكست في الوقت نفسه استياء شعبيا بين الجمهور التركي بسبب وجود أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري في البلاد، وهكذا فإن أزمة اللاجئين وضعت ضغوطا إضافية على سياسة أردوغان السورية وحوّلت أولويات تركيا نحو التركيز على صناعة منطقة آمنة، ليس فقط لإبعاد الأكراد عن حدود تركيا، ولكن أيضا لأجل استخدامها لإعادة توطين اللاجئين السوريين وتخفيف الضغط الاقتصادي والديموغرافي عن بلاده.

ونتيجة لهذه الضغوط، قرّر أردوغان التصرف منفردا، ونظرا لإدراكه أن “التصريح الصامت” الذي حصل عليه من ترامب للتوغّل في سوريا تحت إطار “نبع السلام” في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول ليس حاسما أو نهائيا، كان أردوغان حريصا على التحرك بسرعة شديدة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل حلول اللحظة التي سيضطر فيها للقبول بوقف إطلاق النار، وبالفعل نجحت أنقرة وحلفاؤها في السيطرة على مدينتي تل أبيض ورأس العين الحيويتين، قبل أن يعلن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس في 17 أكتوبر/تشرين الأول أن الولايات المتحدة وتركيا قد توصّلتا إلى اتفاق يقضي بوقف العملية العسكرية التركية لمدة خمسة أيام من أجل انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المنطقة الآمنة المقترحة جنوب الحدود التركية.

لاحقا، في 22 أكتوبر/تشرين الأول، توصّل أردوغان إلى اتفاق جديد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتمديد وقف إطلاق النار من أجل إكمال قوات سوريا الديمقراطية لانسحابها مسافة 30 كيلومترا بعيدا عن المنطقة الحدودية، وكذلك من مدينتي تل رفعت ومنبج، وتضمّن الاتفاق أيضا تسيير دوريات مشتركة بين روسيا والنظام السوري من جهة وتركيا من جهة أخرى، على بُعد 10 كيلومترات من الجانب السوري للحدود.

من الناحية النظرية، نجحت أنقرة في تحقيق أهدافها إذن وإجبار واشنطن وموسكو على قبول انسحاب الأكراد إلى الحدود التي طلبتها الأولى سلفا، رغم عدم وجود دليل أن الانسحاب تم بشكل كامل إلى الآن، لكن ذلك كله لم يأتِ بغير ثمن، حيث وجدت تركيا نفسها مضطرة لقبول سيطرة روسيا والنظام السوري على معظم الخط الحدودي الذي خلّفه انسحاب الأكراد والقوات الأميركية، مع ترسيخ التعاون بحكم الواقع بين أنقرة ونظام دمشق -برعاية روسية- لفرض الأمن في المناطق المحددة، وهو ما يعني أن تركيا قبلت فعليا بإعادة تفعيل اتفاقية أضنة كإطار لإعادة ترتيب الأوضاع في شرق الفرات، وهي خطوة مهمة بالنسبة لروسيا التي تنظر للاتفاق الحالي كمفتاح لإعادة العلاقات بين دمشق وأنقرة خلال وقت قريب.

بخلاف ذلك، يبدو أن تركيا خسرت(19) المعركة الإعلامية حول تدخّلها العسكري الأخير بسبب السمعة الجيدة التي اكتسبتها وحدات حماية الشعب في الغرب بفعل دورها النشط في المعارك ضد “تنظيم الدولة”، وفقدت(20) أيضا المزيد من النقاط في علاقاتها العامة مع المؤسسات السياسية في الغرب، مع شروع الكونغرس في توقيع عقوبات على أنقرة، وقيام عدد من دول الاتحاد الأوروبي بفرض حظر على توريد الأسلحة إلى تركيا، وهو ما دفع أنقرة لمهاجمة الاتحاد الأوروبي لعدم وفائه بالتزاماته تجاه اللاجئين السوريين، والتلويح بالسماح بتدفق اللاجئين مجددا إلى أوروبا.

لكن التحدي الأكبر الذي ستواجهه تركيا في المستقبل المنظور يتعلّق بكيفية تنفيذ خطتها لتوطين اللاجئين السوريين في المنطقة الآمنة المنتظرة، فمن ناحية فإن تركيا لا تتمتع اليوم بسيطرة منفردة على الشريط الحدودي، بما يعني أن أي خطة لإعادة اللاجئين لا بد أن تحظى بموافقة روسيا والنظام السوري، ومن ناحية أخرى فإن محاولة إجبار اللاجئين على مغادرة تركيا إلى المنطقة الآمنة لن يكون أمرا سهلا، فضلا عن حجم الأموال الضخمة التي يحتاج إليها تجهيز مثل هذه المنطقة والتي تفوق قدرات الاقتصاد التركي المتعثّر حاليا، وأخيرا هناك مخاوف أن سياسة توطين اللاجئين العرب يمكن أن تُغيّر في النهاية التركيبة العِرقية في المناطق ذات الأغلبية الكردية في سوريا، مما قد يزيد من فرص الصراع بالقرب من الحدود التي دفعت تركيا ثمنا باهظا، عسكريا وسياسيا واقتصاديا، من أجل تأمينها في المقام الأول.

المصدر: الجزيرة نت