أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » انتحار المواطن اللبناني نزيه عون في رابع انتحار خلال يومين لأسباب اقتصادية / انتحاران في يوم واحد: داني وأنطونيو قتلتهما طغمة فاسدة

انتحار المواطن اللبناني نزيه عون في رابع انتحار خلال يومين لأسباب اقتصادية / انتحاران في يوم واحد: داني وأنطونيو قتلتهما طغمة فاسدة

قبل ساعات، ناجي الفليطي في عرسال. اليوم داني أبي حيدر في النبعة، وأنطونيو طنّوس في عكار. غداً، سنعرف من منا سينتحر ويضاف إلى لوائح ضحايا السلطة. ثلاثة انتحروا، وآخرون قضوا شهداء. كلهم شهداء، وكلهم لم يموتوا ميتة طبيعية، “كلاسيكية”، ولو أنّها ميتة تافهة ورخيصة.

منهم من انتُزعت أرواحهم غصباً، ومنهم من ساروا فرادى، عن سابق تصوّر وتصميم، إلى الموت. هل فيه خلاص، هروب، باب للأبدية، ضعف؟ لا يهم، ولا مكان للأفكار الفلسفية والروحية الآن. النتيجة واحدة: حياة تعطّلت، خلّفت يتامى وضجّت بصرخات عائلات تعرف من الجاني الفعلي والمعنوي ومحرّك الموت والمحرّض عليه.

داني وأنطونيو
أنطونيو طنّوس عنصر في قوى الأمن الداخلي، أطلق النار على نفسه وانتحر حسب التقديرات الأولية. هو في السلك العسكري والحصول على كامل تفاصيل الرواية صعب، كما أنّ أهله ممنوعون من الكلام قبل صدور بيان رسمي عن القوى الأمنية. لكن قصّته لن تكون بعيدة عن الواقع، وعلى الأرجح ستتماشى مع السياق العام والمعمّم على كل الفئات الاجتماعية والمناطق: اليأس من الأحوال. ستكون قصته مشابه لقصتي
انتحار المواطن اللبناني نزيه عون في رابع انتحار خلال يومين لأسباب اقتصادية / انتحاران في يوم واحد: داني وأنطونيو قتلتهما طغمة فاسدة

ناجي الفليطي وداني أبي حيدر. الأخير، ابن الأربعينيات، أب لأطفال ثلاثة. مديون للمصرف ولدكان الحي، ويعيل أهله أيضاً. ضاق به الحال كما مئات الآلاف غيره، وانتحر مثل قلة – يبدو أنها تتكاثر- ضربها اليأس التام. أب وشاب وعامل يكدّ يومياً منذ أكثر من 24 عاماً، لم يعد قادراً على التحمّل. موته لم يعد قصة خاصة، بل عامة.

الدول الفاشلة
الانتحار وارتفاع معدّلاته من صفات الدول الفاشلة. في اليونان، ارتفعت نسبة الانتحار 40 في المئة في سنوات الأزمة. في فرنسا، ترتفع نسبة الانتحار 1.5 في المئة مع ارتفاع نسبة البطالة 19 في المئة. في فنزويلا، تضاعفت نسبة الانتحار في أقل من عشر سنوات. وفي لبنان، نسير على الدرب نفسه. إذ تسجّل حالة انتحار كل 60 ساعة، ومحاولة انتحار كل ست ساعات. هذه المحاولات الفاشلة تشكّل بالإجمال اثنان في المئة مجمل عدد السكان. كانت هذه الوقائع والأرقام قبل الأزمة الحالية. وهي بطبيعة الحال مرشّحة إلى الارتفاع، في ظلّ الذل اليومي على أبواب المصارف والمدارس والمستشفيات. كذلك الحال في دكاكين الأحياء الصغيرة حيث سجلّات الدَين التي لا تزال تُكتب بخط اليد. وهذه السجلات المخطوطة مفعولها أكبر من تلك المرقّمة لدى المصارف والشركات الكبرى، لكونها يومية وتمسّ الأكل والشرب ورغيف الخبز وعلب اللحم المعلّب البغيض. كما أنّ هذه السجلات المخطوطة عبارة عن تعرية شخصية للأسماء فيها. دلالة على الفقر والعجز وسوء حال، بغض النظر عما إذا كان خطّاطوها طيبي القلب ومتفهّمين للأحوال. إلا أنّ هذه السجلات تنزع غطاءً معنوياً عن الأسماء التي فيها، فتحبطهم أكثر وتدفعهم إلى يأس أكبر من ذاك الذي يعيشونه في ظلّ الظرف العام. فالأكل بالدَين شأن عظيم ببلاغته.

حشرات السلطة
لبنان على أعتاب أزمة مرّت بها البلاد منذ مئة عام، أزمة المجاعة. لكن الجراد تطوّر بعد عقود عشرة. تلك الحشرات عدّلت نفسها، جينياً واجتماعياً. لم تعد تقتات من الأخضر واليابس، بل من مصادرة المال العام والخاص وفي كل القطاعات، من نهبه وتبديده في كل المجالات.

تعيش من الشلل وتغذّي نفسها على أزمات متلاحقة، تخلقها لتستمرّ. حشرات تشكّل قلّة قليلة من مجتمع. حشرات اسمها زعامات السلطة وأحزابها، خلقت أزمة سياسية وأخرى أمنية، مسّت بأسعار المحروقات والطعام وحرمت الناس من الدولار أولاً ومن الليرة ذي القيمة المتدنيّة لاحقاً. حشرات لا تزال تطلّ على التلفزيونات للحديث عن الضرر والاستقرار والحلول، كأنّ شيئاً لم يكن. حشرات تنتحرنا بيدها عمداً أو تدعونا للانتحار طواعية. فالدول الفاشلة قوامها السلطة الفاشلة. سلطة تمعن في الفشل منذ عقود، لا ترى فشلها في انتحار الناس حتى. سلطة وزعامات تريد الجلوس إلى طاولة حكومة جديدة حتى من دون مقاعد وزارية، فقط لكسر الناس وزيادة يأسهم. سلطة مكافحتها صعبة، لكن غير مستحيلة، ومقدور عليها، لأنّ الانتحار ليس قدر شعب كامل، بل قدر حكّام فاسدين. هكذا علّمتنا ثورات الشعوب.

المصدر: almodon