أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » تذكَّر ستالين في الأسد

تذكَّر ستالين في الأسد

بسام مقداد

لست من المدوامين على تصفح أسبوعية الفاشيين الروس “zavtra” ، بل قصدتها لعلي أعثر فيها على ذكر أو رأي حول الجريمة الوحشية للمرتزقة الروس في سوريا ، والتي لم تقرر موسكو التحقيق مع مرتكبيها ، بل قررت التحقيق مع ضحاياها السوريين . فقد وصل إلى قاعدة حميميم الروسية في 29 الشهر الماضي رئيس هيئة التحقيق الفدرالية ألكسندر باستريكين ليكلف القيادة العسكرية الروسية التحقيق في الجرائم التي ترتكب ضد العسكريين الروس في سوريا ، حسب صحيفة الكرملين “vz” . ولم تكن هذه الخطوة مفاجئة للكثيرين من الناشطين والكتاب السياسيين الروس، الذين تابعوا فصول قصة الجريمة منذ انتشار شريط الفيديو ، الذي يصورها ، بل توقع الكثير منهم بألا تمتد يد عدالة الكرملين إلى هؤلاء القتلة . فقد توقع أحد هؤلاء الكتاب على موقع إذاعة “صدى موسكو” ، بأن القتلة بالتأكيد سوف يمنحون أوسمة ، وعلى الرغم من أن الكرملين وصف الفيديو بأنه مرعب، لكننا لم نسمع عن توقيفات للمشبوهين ، وهي لن تكون ، بل سوف يحصل القتلة سراً على لقب “أبطال روسيا” .

وبالعودة إلى أسبوعية “zavtra” (الغد) ، التي تعلن اعتناقها الستالينية والوطنية البوتينية مرشداً لها في دعوتها لإقامة الإمبراطورية الروسية الخامسة (بعد الرابعة البوتينية )، فهي مثل الكثير سواها من الصحف والمواقع الإعلامية الروسية ، لم تسمع بتلك الجريمة ، ولم تأت على ذكرها . لكن ما تنشره هذه الصحيفة وأمثالها ، مثل “البرافدا” و”SP” (الصحافة الحرة) ، التي تتشارك في العديد من كتابها مع الصحيفة المذكورة ، يشكل البيئة الحاضنة لمثل هؤلاء السفاحين ، الذين ارتكبوا الجريمة البربرية في سوريا على وقع الموسيقى ونشيد الأجهزة الروسية . وهذا الأمر بالذات ما استدعى التوقف عند مقالة نشرتها الصحيفة في 9 الشهر المنصرم بعنوان “تذكرت ستالين في دمشق” مرفق بعنوان إضافي “ملاحظات دولاتي روسي” (إمبراطوري روسي) . يقول كاتب المقالة ، بأنه قد عاد من سوريا منذ مدة قصيرة ، حظي خلالها مع سواه باستقبال الرئيس السوري بشار الأسد ، وجال في سوريا ، والتقى ممثلي مختلف المهن ، واستمع ، وسأل ، وعاين ، وحلل . وخلص إلى الإستنتاج ، بأنه يعتقد أن دلائل كثيرة تشير إلى قرب الإنتصار النهائي للدولة السورية على الإرهابيين من شتى المشارب. وفي كل خطوة في سوريا كان يلمس دلائل حضور القوة العسكرية الروسية، التي تشكل “الضمانة الرئيسية” لهذا الإنتصار . لكنه، وعلى الرغم من كل التقارير المفعمة بالحيوية للسياسيين والدبلوماسيين الروس ، والتي مهما تفنن في تقديمها الجيوسياسيون وكتاب البلاط الروسي، كان يشعر بالقلق في داخله ، وتقلقه أسئلة غير مريحة . فهل سيحدث فجأة كما حدث في العراق ؟ وهل سينشأ شيئ ما يشبه “سيناريو يوغوسلافيا”؟ وهل تلقى سوريا مصير ليبيا ؟ وعلى العموم ، هل “ستعمد دولتي من جديد إلى خيانة صديقها وشريكها وحليفها” ؟

لكن المهم ، بالنسبة للكاتب ، ليس الأصدقاء والشركاء والحلفاء ، بل الأهم منهم هي المصالح القومية الروسية الخالدة ، التي لا تمس ، والتي تمت خيانتها غير مرة ، عند تقاطع القرنين العشرين والحادي والعشرين، على يد من تولى السلطة في “وطني المعذب”. ويتساءل الكاتب كيف يمكن ألا يتكرر الأمر عينه على خلفية “الديكورات السورية” ، التي تلونت بالدماء ، بما فيها الروسية ، سيما وأن أسباب مثل هذا التخوف أكثر من كافية .

ويتبين من السرد اللاحق للمقالة، أن أسباب التخوف على المصالح الروسية الخالدة ، والتي لا تمس، تتمثل في هؤلاء الأصدقاء والشركاء والحلفاء بالذات . وتوقف الكاتب مطولاً عند الصديقين اللدودين الإسرائيلي والتركي ، وتناسى الصديق الإيراني ، الذي اعتاد القوميون الروس على الدفاع عنه . ويقول الكاتب عن “الصديق الإسرائيلي العدواني ” ، بأنه على الرغم من التقنيات العسكرية الروسية الحديثة ، التي تغطي الأجواء السورية، إلا أن هذا لا يمنع إسرائيل من الإصرار على قصف الأهداف الموجودة على الأراضي السورية . صحيح أن هذه الأهداف حتى الساعة ليست أهدافاً إستراتيجية، لكن لا شيئ يمنع العسكريين الإسرائيليين من أن تصبح أهدافهم إستراتيجية ، مثل القصر الرئاسي ومحطات توليد الكهرباء وسواها. ويتساءل الكاتب ، لماذا لا تُقمع هذه الإعتداءات ولا يتم توجيه ضربات إستباقية إلى أراضي الجار العدواني ، الذي يريد بضرباته الإشارة إلى من هو السيد في المنطقة . ويقول بأن العسكريين الروس يرفضون التحدث بالموضوع ، مستندين إلى التعليمات التي بحوزتهم . أما السياسيون والدبلوماسيون ، فيكتفون برفع أكتافهم ، أو يومئون بأعينهم إلى مكان ما في الأعلى .

وبعد أن يذكّر الكاتب بالتصريحات المتكررة للرئيس الروسي عن الإنزعاج الروسي من الضربات الإسرائيلية ، وبتصريحات وزير الدفاع عن احتفاظ روسيا بحق الرد بضربات موازية ، يقول بأنه قد مر اكثر من سنة على هذه التصريحات ، لكن إسرائيل لا ارتدعت عن توجيه ضرباتها ، ولا كفت عن السعي للعب دور سيد المنطقة الوحيد، الذي يملك حق تقرير مصائر الشعوب والدول في المنطقة .

ويقول أن السياسيين والدبلوماسيين الروس ، وفي الأحاديث ، التي يشترطون عدم تسجيلها ، يقولون بعد أن ينفخوا صدورهم هيبةً وأهمية ، بأن بؤرة حرب نووية محتملة تنضج الآن في الشرق الأوسط ، وأي خطوة خاطئة ، سوف تؤدي إلى قيام إسرائيل بمحو دمشق عن وجه الأرض … وسوف يندلع اللهيب في كل العالم ، ولذلك لا بد من توخي الحذر الكلي .

وبعد أن يتوقف الكاتب عند العلاقات العائلية والشخصية التي تربط السياسيين الروس “بالدولة الصهيونية المعتدية” ، ويلاحظ الفرق في عدد المرات ، التي استقبل فيها الرئيس الروسي خلال فترة المقتلة السورية ، كلاً من نتانياهو والأسد ، يؤكد بأن الحديث عن سوريا لا يستقيم دون تذكر تركيا . ويقول بأن تركيا ، وخلافاً للتصور السائد لدى الروس العاديين ، بأنها بلد المصايف والمسابح والطعام الرخيص ، كانت وستبقى للأبد منافساً لروسيا ، بغض النظر عما كانت تسمى (روس ، روسيا أو الإتحاد السوفياتي) وما قد تصبح عليه تسميتها في المستقبل. ويكفي ، برأيه ، تذكّر حروب القرون السابقة ، التي تشكلت بنتيجتها حدود روسيا الراهنة ، عبر دماء وآلام أجداده الروس ، التي يحذر من نسيانها ، ونسيان العبيد والسبايا الروس في أسواق تركيا ، والتي لا ينبغي أن تقارن بالإستجمام الرخيص على الشواطىء التركية ، ولا بمعاطف الفراء النسائية التركية ، ولا براحة الحلقوم في العلب المزركشة .

ويرى الكاتب أن أحداث الماضي القريب تفرض إدخال تعديلات جدية على تقويم دور العامل التركي في حل المشكلة السورية . ويقول بأن قمة سوتشي الأخيرة بين بوتين وأردوغان والإتفاقات التي تمخضت عنها ، قد تكون شكلت خرقاً في تسوية الأزمة السورية ، إلا أنه يدعو إلى عدم التسرع في تقويم أهمية هذا الخرق ، لأن ثمة أمور “غريبة ، وغريبة جداً” رافقت محادثات القمة ، برأيه . فهو يستغرب عدم وجود الرئيس السوري على طاولة المفاوضات إلى جانب الرئيسين ، اللذين يحددان مصير بلد بغياب رئيسه .

ليس من المستغرب أن يخلص هذا الكاتب ، الذي ينتمي إلى عتاة القوميين الروس الفاشيين ، أن يعترض على غياب السفاح الأسد عن طاولة مفاوضات سوتشي ، وهو الذي تذكر ستالين ، أثناء مغادرته اللقاء مع الأسد ، وردد له عفوياً ، القول الخالد ، برأيه : “قضيتكم محقة ! النصر سيكون إلى جانبكم” . وقال بأنه يعرف أن الأسد لا يجيد الروسية ، لكن تهيأ له في تلك اللحظة أن الرئيس السوري قد فهمه جيداً

المصدر: almodon



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع