أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » التنوير والعلمانية شرطان للدولة الحديثة : أسامة آغي

التنوير والعلمانية شرطان للدولة الحديثة : أسامة آغي

وحدة الدراسات التنويرية

تحتاج الأمم دائماً إلى تجاوز موروث أسلافها، عبر نقد هذا الموروث الفكري والتاريخي، فبدون النقد، وإضاءة هذا الموروث، يكف العقل الانساني عن أداء مهامه في مراكمة المعرفة، وإحداث التطور، فلكل مرحلة من مراحل تطور المجتمعات فكر ومفكرون، وحاجات تدفع إلى إعمال العقل، وتطوير المعرفة العلمية في العالم حيث نعيش.

هذا الأمر يمكن رؤيته في تراثنا الإسلامي، إذ لا نزال نقف عند عتبة اجتهاد أسلافنا في فهم الحياة وتفسير الظاهرات السياسية والاجتماعية. هذا التوقف، وعدم نقد التراث، منعا نمط الحياة الإسلامية من تحرير العقل، واعتماد الأساليب العلمية (التحليل والتركيب والاستنباط)، وأديا إلى الوقوع في شرك الماضي.

هذا البحث يذهب إلى رؤية أهمية التنوير، وأهمية العلمانية، ويبحث في العلاقة بينهما، انطلاقاً من نقد الواقع، ونقد الموروث الفكري الديني.

ما هو التنوير وكيف نحدده إسلامياً

التنوير بمفهومه العام هو كل جهد فكري يعمل على التوعية وإنتاج خطاب التحديث والتجديد. وبالتالي فهو مفهوم يتحول إلى نسق فكري/اجتماعي، يدفع إلى نقد الموروث الفكري الديني، البعيد أو القريب زمنياً، لشق الطريق أمام نقد الواقع بغية فهم ظاهراته، وفق منهج علمي، لا يقبل بغير التحليل والتركيب واستنباط النتائج من دراسة أية ظاهرة. وجاء في معجم المعاني الجامع بأن “تنوير هو اسم، مصدره نوّر، ونقول:

عمل على تنوير فكره: أي جعله متنوراً. والتنوير لغة: وقت إسفار الصبح، أي جلاء الظلمة”. أما فكرياً فالتنوير يعني “الاستخدام العام لعقل الإنسان في جميع القضايا، وتبني شعار “لا سلطان على العقل إلا العقل”(1). هذا الاستخدام للعقل هو نفي لقبول تفسيرات غيبية، أو قبول معطى فكري، تغيرت شروط انتاجه المعرفية، نتيجة تغير ظروف الواقع، فالتنوير بهذا السياق هو دلالة على الإيمان بالمقدرة الذاتية لدى الإنسان على فهم الظاهرات الفكرية والاجتماعية والسياسية وتحليلها، وهو دعوة إلى استخدام المنهج التجريبي الحسي المادي.

إن الذهاب إلى مقولة ثبات الفكرة لدى السلف باعتبارهم من أنتج تفسيرات ورؤى صالحة لكل زمان ومكان، هو تجاوز لفعل العقل، وتثبيت لمفهوم “الفوقية المطلقة”، وهي “نزعة لا تجد في تحققها لنفسها إلا شكلاً فوقياً محتوماً بالسلطة العليا”(2). وهذا يعني أن يتحول النسق الفكري بكل اتجاهاته إلى خدمة “السلطة/الدولة” التي تعمل لإعادة انتاج النسق الفكري، بما يخدم ثبات بنيتها، التي لا يقبلها العقل، ولا الضرورة الموضوعية.

هذه الرؤية تدفع إلى ضرورة البحث العميق في مفهوم البنية والعلاقات الداخلية الجدلية بين أنساقها، لاكتشاف اتجاهات حركتها. أما أن يكون التنوير طلاءً خارجياً، يعتمد على مفهوم يقول: إن تغيير الثقافة يعني تغيير الواقع، فهذا الاتجاه لا يعتمد سلطة النقد، وفهم البنية، ولذلك فهو تنوير لم يستطع اكتشاف طريقة تغيير الواقع، وإنما استند إلى بنية تتعلق بصيرورة زمنية لأحداث وتطورات بنى متعددة ومختلفة.

وكي نؤكد هذه الرؤية، نستطيع القول: إن الاشتقاق الفكري المعرفي من خارج فعاليات البنى السياسية والاجتماعية والفكرية، هو هدر للوقت، وتغيير في بوصلة المعرفة الحقيقية إلى درجة التضليل. هذه الرؤية تعمل خارج تكوين البنية، وخارج العلاقة بين أنساق هذه البنية التي لم تختبر واقعياً، أي اختبارها في الحقل السياسي، باعتباره حقلاً متمايزاً، وفق تعبير “ألتوسير”. هذه الرؤية تدفعنا إلى القول:

إن الإسلام كتشكل خطابي، وكتقليد حي تتنازعه الجدالات المحمومة، ولا يبقى مستمراً وحياً إلا في اللحظة التي يمارس فيها المسلمون أنماطاً شتى، وفق تمثلهم لمفهوم الإسلام. وهذا يعني، أن التنوير والفكر السلفي يعملان على حقل واحد هو (الإسلام)، بأدوات متعددة ومتباينة، وفهم مختلف.

إن نقد الموروث من الخطاب الديني المحمول زمنياً من زمنه البعيد، هو نقد لنص، استدعت الضرورة إنتاجه في حيزه الزمكاني، أي لو عدنا إلى زمن السلف المنتج للمعرفة الدينية، سنكتشف أن منتوجهم الفكري/الديني، كان تعبيراً عن حاجاتهم الضرورية لزمنهم في السياسة والمجتمع، ولا يمكن قبوله خارج إطار البنية التي ساهمت في إنتاجه.

من هذا الفهم يمكن القول: “إذا كانت الحضارة تتركز حول “النص” فلا شك أن التأويل يمثل آلية من أهم آليات القراءة في إنتاج المعرفة، ويدعونا اليوم التأويل المطبق (Hermenneutique Appliqué) ليس فقط إلى تطبيق أورغانون منهجها الابستمولوجي في قراءة التراث الانساني (subtilitas Applicandi)، وإنما إلى تشكيل وعي تأويلي قوامه الحس التاريخي والنقدي في تناول موضوعات التراث”(3).

إذاً لا يمكن ادعاء امتلاك الحقيقة، فقراءة النص من منظور مختلف، قد يصل إلى درجة التمكن من روح هذا النص، وهي عملية تقوم على فك شفراته وأسراره وتعرية رموزه. ولذلك ننظر إلى النص التراثي على أنه تعبير عن واقع متعين، هذا الواقع كان يعبر عن حركة ذاتية، تحدثها أنساق بنيته المشكّلة له.

ولذلك فالتنوير بمفهومه العام، هو إعادة قراءة النص، لإنتاج نص مختلف، وفق سياقات جديدة، تلبي حاجات جديدة في حركة الواقع. وعليه يكون “التنوير حركة اجتماعية، وحركة عقلية، تقف ضد أي عصبية مذهبية، وأن التنوير يرتبط بانتشار المعرفة العلمية المستندة إلى التجربة والخطأ وتصحيح الخطأ”(4).

ما هي العلمانية وما آفاقها إسلامياً

ارتبط مفهوم العلمانية لحظة بدايته بالصراع بين الكنيسة الأوربية وعلماء أوربا. والسبب في ذلك أن الكنيسة تبنت نظريات علمية، لم تستطع أن تصمد في وجه الحياة، هذا التدخل لم يكن مشتقاً من نصوص دينية، بل من اجتهادات رجال الكهنوت. ولكن مفهوم العلمانية (secularism) تبلور عبر تطور اجتماعي اقتصادي سياسي، ويمكن تعريفه بأنه “عبارة عن مجموعة من المعتقدات التي تشير إلى أنه لا يجوز أن يشارك الدين في المجالات السياسية والاجتماعية للدول. باعتبار العلمانية نظاماً فلسفياّ اجتماعياً سياسياً، يرفض الأشكال الدينية كافة عبر فصل المسائل السياسية عن عناصر الدين”(5).

إن الفصل بين الدين والسياسة هو فصل بين نسقين فكريين جذراهما مختلفان، وهذا لا يعني أبداً ادعاء علاقة العداء بينهما، فحين نقول “علمانية الدولة” فنحن نقصد أن النسق الفكري الديني لا يمكن أن يتدخل في نسق فكري متغير ومتبدل بأدواته ومقولاته الثابتة. إن علاقة الثابت/ المتغير هي علاقة ليست وشائجية، بل هي علاقة جدلية يؤثر كل طرف منها في الآخر في سياق صيرورة محددة. ففصل الدين عن السياسة (الدولة) لا يعني فصل الدين عن الحياة، بل هو فصل تدخلات رجال الدين في عمل الدولة والسياسة. فرجال الدين حين يتدخلون في السياسة، يكونون قد غادروا موقع نسقهم الفكري وتجلياته الإيمانية إلى موقع سياسي ليس من اختصاصهم أو من شأنهم.

وحين يتم الادعاء بأنه تدخل صحيح، فهو عملياً يعبر بعمق عن رؤية دينية مرتبطة بآليات الحكم السياسية خارج النص الديني، وهو تناقض عميق بين النص الديني ووظيفته، وبين التبرير السياسي ووظيفته. من هنا يمكن فهم لماذا تقف فئة رجال الدين الرسمية مع السلطة/ الدولة، بغض النظر عن هويتها. إذاً يمكننا الاستنتاج أن “الحداثة لها قواعد وفيها الفصل بين الأشياء، وهو ما ندعوه العلمانية”(6).

وفق هذه الرؤية، تبدو “العلمنة” وكأنها مأسسة للدين وقوننة له. أي حين نقول مأسسة الدين فنحن نعني جعل مؤسسة له، تشتق عملها من دور الدين الروحي في حياة الإنسان، أي نقل الدين من اعتباره تدخلاً بصيغة عامة، إلى اعتباره حالة فردية، تتعلق بالعبادة وعلاقة الإنسان بربه. هنا يتحرر العقل في الحقل العام (الاجتماعي/السياسي)، ويذهب إلى درجة امتلاك الإرادة في تقرير اتجاهات التطور خارج النص الديني.

لقد وجد “فوكو” أن الدولة تتدخل في الإنتاج الحيوي للذوات، أي إن الدولة تحاول تثبيت مفاهيم تتعلق بطبيعتها وتكوينها عموماً، وهو تدخل يخرج المبادرة العقلية لدى الأفراد عن حقل إنتاج معرفتهم المستقلة. ولهذا تكون العلمانية قد أبعدت هذا التدخل عن هذه المبادرة، وعملت على تحرير العقل من أسر المقولات السابقة. إن تدخل الدولة حتى في حالة العلمنة، هو تدخل غير صائب، على أن فعاليات العلمانية لم تحقق مساحة الفعل الخاصة بها. ولهذا يمكننا عدُّ العلمانية بأنها علمانية البنية الفوقية، وليست هي علمانية نتاج تفاعل وحركة الواقع عبر بنيته الطبيعية، وعمل أنساقها الجدلي.

إن السياق السابق لم يحرر الدين من علاقته بالدولة/السلطة، ولم يحرر الدولة/السلطة من تدخل الدين فيها. ففي الحالة الثانية يمكن عدُّ “العلمانية في صلتها بتطور الدولة القومية الحديثة، نقلت علاقات الولاء والبراء وقيم الانتماء للجماعة والخروج عنها من الدين إلى مؤسسة الدولة القومية، عبر مفهوم المواطنة، ونقلت لهذه الدولة وظائف العمومية للدين”(7).

إذاً لا يمكن عدُّ العلمانية ضد الدين، وهو مفهوم تجري مساع لثبيته في وعي عامة الناس، على قاعدة سياسية وليست فكرية، الغاية من تثبيته إظهار العلمانية وكأنها إيديولوجيا معادية للدين، في حين هي ليست إيديولوجيا، بالمطلق وإنما تصور لآليات بناء الدولة الحديثة خارج أطرها التقليدية السابقة. ولذلك يمكن الإشارة إلى “أن محاربة العلمانية لم تأت من “الإسلاموية السلفية”، بل أتت من فساد فكر النخب العلمانية العربية، وجهلها بالأدبيات السياسية العلمانية، وعلاقتها المشبوهة بأنظمة الاستبداد في مواجهة الشعب وحريته ومن ضمنها الحرية الدينية”(8).

تطور مفهوم العلمانية، وصار من الضروري أن تفهم في المجتمعات الإسلامية على أنها ضرورة مقاربة الحريات الدينية في المجتمع، وضرورة أن تكون العلمانية في بنية التشريع السياسي الإسلامي في الدول الإسلامية، حتى تسد الفجوة التشريعية بين المكونات المختلفة في المجتمع الواحد. ولهذا نجد أن العلمانية أخذت اتجاهين رئيسين هما العلمانية الشاملة (Aseertive secularism)، والعلمانية السلبية (passive secularism). ففي الوقت الذي تعدُّ فيه العلمانية الشاملة بأنها ذات نهج عدائي مع المؤسسة الدينية، بما فيها فكرة السيطرة عليها، ووضعها في خدمة السياسة. وفي هذه الحالة تتحول المؤسسة الدينية إلى منتج للشعائر الدينية الفردية، دون أي دور ملموس في الشأن الاجتماعي أو السياسي. أما العلمانية السلبية فتقول بضرورة الفصل الجزئي بين الدين والسياسة لصالح استقلال المؤسسة الدينية ونزاهتها.

إن الاستبداد السياسي في العالم الإسلامي هو من يسمح بالتواطؤ بين الإسلام الرسمي الذي يدعمه وتتحكم به الدولة من خلال توفيره المبررات الضرورية لدعم عمل آليات هذا الاستبداد. وهذه الممارسة تزيد من تعقيدات أوضاع المجتمعات الإسلامية، وتمنع عنها ممارسة تجربتها في الحرية والديمقراطية بما يخدم تطورها.

التنوير وأهدافه في التراث الديني

لم يكن من الضرورة استخدام مفهوم التنوير ومصطلحه، لو لم تدفع الحاجة إليه، وهذه الحاجة تتعلق بظلامية الفكر التي تروج لها حركات إسلاموية ذات نهج سلفي. التنوير هنا رد موضوعي على الظلامية التي يمكن أن نقول عنها بأنها “مذهب فكري يعتمد الغيب مصدراً لكل ما يجري في الواقع، متصدياً، في الوقت نفسه، لكل ما يعتمد على العقل العلمي، الذي يعمل على جعل ما يجري في الواقع منتوجاً علمياً نقيضاً للمنتوج المتعارض مع العلم”(9)

إن التنوير حاجة عقلية فكرية لنقد سكونية الموروث الفكري الديني، وهذه الحاجة هي قاعدة تنشأ عليها إعادة إنتاج الرؤية الشاملة لأنساق الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولا ينبغي أن يكون هدف التنوير نقد الدين، على أنه نسق خاص، بل هدفه نقد الموروث الخطابي (التأويل والتفسير والاجتهاد)، الذي أعدَّه السلف. “إن أهم أسباب فشل التنوير في مجتمعاتنا العربية هو فقر التوظيف المعرفي للنظريات النقدية”(10).

لذلك نجد أن كثيرين من الذين يدّعون التنوير، يقعون في ورطة استخدام “النص الديني”، وهم يقصدون الموروث الكتابي، وليس نص القرآن الكريم. وتجد لديهم لغة تفتقد إلى الدقة العلمية، وتفتقد إلى جوهرية التنوير. إن نقد الموروث الديني لا ينبغي أن يؤسس لعدائية بين التنوير والنص القرآني، بل أن يعمل على إعادة إنتاج قراءة النص في شرطي الزمان والمكان المتغيرين، ودون ذلك يكون التنوير قد ظلم نفسه، وتخلى عن جوهره الأساسي، ألا وهو إزالة الظلامية عن النص الديني، من خلال نقد الموروث الفكري الديني السابق.

لقد اكتشف عبدالله العروي هذه العلاقة الهامة، وكتب فيها قائلاً: “إن العقلانية والعقل ليسا مسألة نظرية صرفاً، وإنما هي مسألة عملية تتعلق بمدى تجسد الفكرة في الواقع”(11). وعليه فكيف يمكن أن تجسد الفكرة الماضوية المتعلقة بزمن ما قديم، له درجة تطور اقتصادي وسياسي واجتماعي مغايرة لواقعنا الحالي. إن هذه الحالة هي شكل من أشكال أدلجة الدين، وفرض وظيفة سياسية عليه، ليست من جوهره.. والغاية من ذلك هي تضليل الجماهير لمصلحة العلاقة بين المدافعين عن الموروث والطبقات الحاكمة، التي تعيق التطور المجتمعي بكل أنساقه.

إذاً نحتاج أن نمتلك تنويراً يشتق من بنية واقعنا الحالي، وليس تنويراً لا علاقة له بهذا الواقع. ومن هنا يمكن أن نقول، إن التنوير في هذه الحالة هو حركة فكرية غايتها إزالة الظلامية، ولتحقيق ذلك نحتاج إلى اعتماد منهجية عامة للتنوير، تخص كل ما يتعلق بضرورة بناء دولة حداثية، ذات طابع علماني ديمقراطي، وظيفتها ترسيخ حرية مواطنيها عبر حماية الحقوق وسيادة القانون.

إذاً التنوير ليس قضية فكرية معلقة في الهواء، بل هو عمل على تكوين نص مقارب للنص الديني، هذه المقاربة هي أخذ درجة التطور بالحسبان، وهذا يستند إلى المقولة التي تعني بأن “لا نص بدون تأويل، ولا تأويل بدون نص”. هذا النص هو النص الديني، الذي يناقش وفق بنائه اللغوي وقائع الوجود وطبيعة الكون، وبالتالي هو يدخل إليه بأدوات معرفية جديدة، تتبع درجة التطور العلمي، وهذا ما يجعل من انغلاق النص حالة منفية، إذ إن الأدوات تعمل على فتح حدود هذا النص ومقاربته.

الظلامية لا تريد هذه المقاربة، لأنها تكشف زيف رؤيتها للواقع والتطور والحياة، وهذه الظلامية تستند في سد ثغرة حرجها الفكري إلى استخدام العنف والإرهاب، وجعل التفكير مقترناً بالتكفير، ونتيجة التكفير هي القتل. لذا يبدو التنوير ضرورة لقراءة المفاهيم والدلالات التاريخية للأحداث والأفكار، وهو معني أيضاً ببناء آلية اشتقاق أدوات قراءة جديدة للواقع، وهذا يعني دحر (سلطة النص، وسلطة مقاربته الأولى)، التي أسس لها السلف في زمانهم ومكانهم، ويعني من ناحية ثانية تعدد القراءات، ومشروعية ذلك، فلا فكر يتطور خارج تعدد التناول المعرفي والنقدي له.

العلمانية وشرطها الديمقراطي

العلمانية ليست ضد الدين كجوهر، ولكنها تقول بضرورة فصل المؤسسة الدينية عن بنية الدولة وقرارها السياسي، وهي بهذه الحالة، لا يمكن عدَّها حالة صحية دون شرطها الديمقراطي، أي مادام هناك تعدد فكري سياسي في المجتمع المعين، تكون العلمانية المرتبطة بشرطها الديمقراطي ضرورة حقيقية لإيجاد الوسط المناسب لتطور الممارسة السياسية، بما يخدم تطور المجتمع في كل أنساقه.

إن ردّ الفعل الذي اتخذته الجماعات الإسلاموية، وتحديداً ذات الفكر السلفي حيال العلمانية، هو ردّ فعل مرتبط ببنيتها غير الديمقراطية، ولكنها تخفي ذلك من خلال تعويم فكرتها، بأن العلمانية تشكل خطراً على الإسلام، وعدَّت هذا الخطر كفراً وإلحاداً من أجل تحقيق مكاسب سياسية، تتلاءم مع فكرها.

إن مفهوم العلمانية في الفكر العربي لاقى مواجهة عنيفة، اتهمته بعدائه للدين، والدعوة إلى الانحلال الخلقي، في وقت أحدث هذا المفهوم رعباً لدى أصحاب الفكر السلفي، لأنَّ هذا الفكر سيفقد سلطة نصه الديني في الحياة السياسية والاجتماعية، وستتم إعادة النص إلى وظيفته الروحية، وهو ما يتناقض مع المصالح الحيوية لفئات الإسلام السلفي، التي تحس بأنها فقدت ركائز هيمنتها وسيطرتها عبر قراءتها للنص الديني، إذ هي قراءة ميتة تستند إلى زمن آخر، يفصلنا عنه خبرات وتطورات هائلة.

ومع ذلك ينبغي الإشارة إلى أن لا قيمة للعلمانية بدون ارتباطها بالديمقراطية، فالديمقراطية هنا شرط أساسي، كي تستطيع قوى المجتمع ممارسة دورها السياسي، دون أن تكون أسيرة قراءة النص الديني السلفي.

إن تحويل العلمانية إلى إيديولوجيا هو تفريغ لها من محتواها الحقيقي الداعي لتفجير طاقات فئات المجتمع المختلفة، وفق نسق خارج نسق الموروث الديني المغلق، والمتصدي لتطور البنى الاجتماعية. أما ربط العلمانية بشرطها الديمقراطي، هو فتح بوابات إعمال العقل في فهم درجة التطور الاجتماعي، وكيفية فتح الآفاق أمامها.

“اتخذ مفهوم العلمانية في المفهوم “اليساروي – الليبرالي” صفة معاداة الدين، باعتباره (أفيون الشعوب)، وباعتباره يمثل مرحلة سابقة من مراحل تطور البشرية. وبذلك تحولت العلمانية إلى إيديولوجيا ذات بعد مذهبي، أكثر مما هي منهج في الفصل بين السلطتين الروحية والمادية، من دون معاداة بينهما”(12). هذا المفهوم ساعد على تأجيج صراعات لا ضرورة لها، وعمل على تأخير انتشار مفهوم العلمانية بجوهره الأساسي، الذي يقول “ما لله لله، وما لقيصر لقيصر”.

في هذه الحالة، نستطيع أن نقول: إن العلمانية ضرورة ترتبط بتحول تاريخي، يمس وعي المجتمعات الإسلامية، وتكوين بناها، وكيفية تنظيمها. وهذه الضرورة ترتبط بشروط وعوامل متبدلة ومتغيرة بتبدل البنى ذاتها، وتغير الشروط التاريخية، التي بموجبها تنشأ الدولة الحديثة وطبيعة هذه الدولة. لذلك لا يمكن  قبول أن يتحول العلمانيون إلى شعار (فصل الدين عن الدولة من أجل غايات إيديولوجية خاصة بهم، فهم في هذا السياق سلفيون برداء جديد. وهذا يحتم “أن يلحظ العلمانيون في بلادنا، وهم يشددون على شعار فصل الدين عن الدولة، أنهم يريدون من الدولة العلمانية أن تتحكم في الدين وتحرمه من أية استقلالية”(13).

إن تحرير العلمانية من شروط الإيديولوجيات، وربطها بمفهوم الديمقراطية، يحتاج إلى وعي أعمق بالبنى الاجتماعية والفكرية في المجتمعات الإسلامية، وهذا يدعو إلى أن تقوم العلمانية بتغيير منهجها في تناول المقاربة الإيديولوجية السائدة إلى المقاربة التاريخية والنقدية في آن واحد. وهذا التغير يجعلنا نكتشف “وجود بنيات اجتماعية وثقافية ودينية وسياسية مناهضة للعلمانية والديمقراطية، وهذا ما نحتاج أن نعيد رؤيتنا له على قاعدة إعادة ربط العلمانية بالديمقراطية، بحيث أن لا تتحول العلمانية إلى أداة للقمع الشرعي”(14).

التنوير والعلمانية شرطان للدولة الحديثة

إن العلاقة الحيوية بين التنوير والعلمانية ليست مجرد علاقة شكلانية، بل هي ترتبط بجذر واحد عميق. فالتنوير هو نقيض الظلامية، أي هو ما يفتح الأبواب لكي يضاء مفهوم النص الديني وغير الديني، وفق حركة الواقع. والعلمانية في هذه الحالة هي إتمام دور لهذا الفعل النقدي. إن إبعاد المؤسسة الدينية التي اشتغلت في حقل خارج حقلها لتحقيق مصالح النظام السياسي، أو مصالحها الذاتية، إنما هو منع للظلامية، ومنع قهر النقد وغاياته في تطوير البنى المجتمعية كلها. إن هذا الارتباط بين التنوير والعلمانية يحتاج أيضاً إلى شرطه الديمقراطي، الذي يوفر مساحة الحرية لممارسة النقد.

لذلك يمكننا القول: أنْ لا ديمقراطية بدون علمانية، ولا توجد في الواقع تجربة ديمقراطية تستند إلى بناء دولة علمانية، لهذا على العلمانية في شرطها الديمقراطي، ألا تمنع حرية التفكير، وألا تتحول إلى حالة دوغمائية سياسية. إن أكثر ما أساء إلى العلمانية هو “تحول العلمانية إلى مسألة شكلية، تتعلق بالمقابلة بين صيغتين جاهزتين وكاملتين لعلاقة الدين بالدولة، وجعل الاختيار بينهما معياراً للأخذ بالحداثة والمدنية، أو السقوط في البربرية”(15).

هذه الحالة يمكن تجاوزها في شرط العلاقة الجدلية بين العلمانية والتنوير والديمقراطية، ما يفتح الآفاق على تطور تحتاجه الشعوب الإسلامية، وبات كضرورة قصوى لها، قبل أن تجد نفسها خارج سياق تطور البشرية.