أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » حكايا الألم والوجع من قلب السرفيس السوري وقلب العاصمة دمشق

حكايا الألم والوجع من قلب السرفيس السوري وقلب العاصمة دمشق

 

سبقتها دموعها الى مقعد السرفيس..حقيبة نسائية موضبة على عجل ومحشوة جدا..وكيس بلاستيك احمر فيه قطع ملابس قليلة..رن هاتفها..سمعت ردها: انا نازلة عالشام..وتلاها شتيمة من الطرف المتصل (يلعنك ويلعن راسك شو انك حيوانة)..وصلنا الحاجز وكان عليها ابراز هويتها ..فتحت الحقيبة ليظهر عدد كبير من قطع النقود الورقية من المئة وحتى الألفين. رن هاتفها مرة ثانية وكان نفس المتصل ونفس الشتيمة لكن مضافا اليها الله يلعن عيلتك كلها..لم تعد قادرة لا على كبح شهقاتها ولا على لم دموعها…حشرت نفسي كعادتي وقلت لها تعالي نرتب النقود افضل من تركها على حالها وكأنها مزق ورقية..ضحكت وقالن لي :(كسرت مكمورتي وفضيتها بالجزدان وطلعت)..وافقت وتغير حالها..قالت لي :(من آخر زعلة وأساوري في يدي وكل يوم اضع ما يتوفر في مكمورة..لأنني بلا سند وبلا بيت واهلي فقراء ومتقدمين في السن)..سالتها عن آخر زعلة قالت من اربعة أشهر وكررت بالصيف…
قضينا الطريق نرتب النقود من الاكثر الى الاقل..خجلتُ ان احصيهم..لكنها ابتسمت حين عرفت ان المجموع ثلاثة وثلاثين الفا..وقالت لي ( بيكفوني اكلاتي وشرباتي ووحدات بين مايراضيني وأرجع)..

 

بضائع لا تحصى..الباعة متمسكون باي عابر سبيل علّه يشتري قطعة ما..اجور المحال التجارية مرهقة..والجهود الذي يبذلها الباعة لتوضيب البضاعة وخاصة على البسطات مرهقة جدا وجدا..
امراة حامل (بطنها لحلقا) تبيع على بسطة بعز البرد وابتسم للاشيئ وكانه مطلوب منها ذلك فيظهر جليا ازرقاق شفتيها..صبية تبكي تجمد يديها من كثرة فرد وضب الطواقي واللحشات على بسطة ثانية..صبية تبيع على بسطة تصرخ مشتهية نام، وشاب يقول يبس ضهري، والمتسول الجالس على كرسي متحرك الانيق صاحب الابتسامة الجميلة وصاحب المكان اللقطة على جسر الرئيس يأتي احد ما محاولا خطف الكرتونة التي يضع الناس النقود بها..ويصرخ ثم يبكي ثم يصمت هو وكل من هبوا لنجدته..
شاب على بسطة خشبية يقول ان حصيلة يومه ستكون بلا مقابل فقد سرقوا منه خاتمين والمعلم يحسب كل شيئ بالعدد ويخسر قيمة كل مايسرق من يوميته…
شاب وزوجته وطفلتين بقبعتين حمراوتين وجوارب سميكة محشورة بكلاش صيفي.يقرر شراء محبس دهب برازيلي لزوجته..تختار وتتدلل وكانها واقفة على واجهة صائغ ..يدفع الالف ليرة ويقول لها (فشيتي قلبك؟ انبسطتي)…
تصرخ امرأة أنا ضايعة..وتسال عن سرافيس الشيخ خالد و تركض نحو وجهة معاكسة….

 

جايبة كيسها معها وواقفة عباب محل الخضرة الكبير..طلبت من شخص قرص بندورة ومن سيدة قرن فليفلة ومني ليمونة ومن شخص تاني تفاحة ومن ست راس لفت وفجلة حجمها وسط.. صاحب المحل عطاها راس زهرة كبير بس شوي دبلان وعليه نقط سودا..
يعني جمعت غداها وصحن السلطة وراحت..
بتوقف بوجهك انت وطالع وبتحدد شو بدها منك حسب كياسك..مافكرت تطلب قطعة فاكهة من حدا ولاحتى كرمنتيناية.. يمكن معتبرتا بطر وفوق حد الطلب..

 

 

حديقة دمر البلد ،الساعة ٣ ظهرا..اربع سيدات كل واحدة منهن معها اربع طفلات..يبدو الفاصل بين اعمار بنات كل ام لا يتجاوز السنة او السنة والنصف على أبعد تقدير..
مع كل ام عربة اطفال ..واحدة منهن
وضعت طفلتين نائمتين بها ..والثانية وضعت ثلاث بنات وقوفا وجلوسا ونوما والرابعة خلفها تكمش بمعطفها..
كان الجدال بينهن حاميا والدموع وفيرة…واحدة منهن صرخت على بناتها الاربع وقالت بصوت مسموع ( ريتكن تقبروا امكن وابوكن سوا) وانخرطت في بكاء هستيري..
القصة انهن اربع سلايف.. والحماية وبموافقة الابن الثاني، زوج المراة المنتحبة خطبت لابنها عروس لتكون زوجة ثانية له..فقط لإنجاب الصبيان…
عشرون امراة..اربع زوجات وست عشرة طفلة.. كنّ يتبادلن القهر في قلب الحديقة العامة..يتنزهون على نار الضعف وفقدان الامل وسطوة الإهانة..
عشرون امراة في مهب القهر والاستخفاف وفي حضور الإجحاف والتمييز..ينتحبن من اجل صبي…
لا اعرف..كل ما اعرفه انهن كن يتنزهن على حواف سكاكين قاتلة…وكنت أراقب موتهن لحظة بلحظة وابتسم للشمس الساطعة في يوم شتوي بارد.. والشمس تسخّن نصل السكاكين اكثر وكأنها تشحذها..

 

حين لبست الامهات وجوها غريبة وتحايلن على الشوق بمتابعة اخبار سعر الصرف وقلن صاغرات ومتلهفات بان الاولاد وإن اضطروا لترك التعليم والعمل وسافروا ، لكنهم وحين يعودون سيشترون بيتا او دكانا في سورية ، ولبنان رمية حجر والواتس يسمح لهن بالتواصل بصورة متواصلة معهم.
وحين هربن من ضعف القلب وهن يذكرن اسماء المدن الغريبة التي حلّ ابناؤهم بها هربا من حرب لا توفر احدا، طامعات او زاهدات في جنسية تمنح الابن قيمة غير العاطفة، كنّ يطرزن الهشاشة بقوة خادعة.
اليوم اتعرف الى العمق المخفي في دواخلهن، الى حزن كالقشعريرة حين تقول احداهن غيرنا الصيفي ووضعت له حرامه الشتوي الذي يحب ومازال الحرام ثلجي الملمس..
حين تقول اخرى لا نريد منهم شيئا لكن كل ما ادخروه في لبنان بات مجرد ليرات لا تصلح للدفع للمهرّب الجديد الذي لايقبض الا بالدولار…
زوج ابنتي محاسب قانوني ويعمل ناطور بناء..ابني صيدلاني ويعمل محاسب في معمل ادوية..
يبدو انه للحزن مراحل معقدة واصعبها حين يتجاوز مرحلة التخمر ليصبح نبيذا للتداول ، ومع كل شفة تفوح منه رائحة الترنح والطعمة اللاذعة..
فقط جرّب ان تدعو خمس امهات سوريات على كاسة زهورات وحضّر اكواما من الورق واترك الالسنة ترتخي قليلا..قليلا فقط! فترتخي القلوب والمقل ويصبح كل شيئ معرضا لصور لاتملك حتى جدارا لتعلق عليه…
من خيبة لخيبة ومن وجع لوجع ومن صمت لصمت..الكفوف على الوجنات تسند العيون التي اظنها ستنغلق او ستسقط ..وكلهن شريكات في الوحدة ،وإن اختلفن بضراوة وفي نفس الجلسة حول كيفية تعطين الزيتون الاسود بملح قليل..ملح قليل علّ القلوب تصمد في مواجهة طول الانتظار..

 

 

 

صحي كيلو السكر ب٧٠٠؟ قلها مين قلك ؟ودار ضهرو معصب..قالتلو طيب بقديش؟ قلها بدك تشتري او جاية تتسلي؟ قالتلو لا تسلاية ولاشراية..عيط عالصانع وقلو سكر هالغلق وخلينا نروح عبيوتنا..مافي بيع وفوقها نسوان عم تضيع وقتنا باللعي الفاضي..
بالسرفيس زلمة عالمقعد الجانبي..وكل خمسين متر ست بتعيط نزلني..وهو ياحرام بيكر اول واحد وبيطلع آخر واحد ودايما بتطلع ست جديدة بتعبي محل القديمة وبيضل هو عالجنب.. آخر شي هو وطالع بعد شي عاشر مرة علقت لفحتو بجزدان ست قاعدة عأول مقعد جانبي..وصرخ انتو كلكن شو مطالعكن من بيوتكن والله عضلوا رجلي من الطلعة والنزلة..وبلش يتمتم ويسبسب..
عبسطة قلام الحمرة صبية بدها تجرب الحمرة عشفافها..والبياع قلها مابيصير ابدا وهي طالعت مرايتها ومصرة تجرب..بالاخير ولما عنّدت قلها الله يلعن ابو الحمرة عابو النسوان لو مانك مرة كنت دبرتك…

 

Salwa Zakzak

 



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع