أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » محمد شحرور : من “الملة” الى “البروتستانتينية” ؟ أو العكس؟ بقلم مالك عيطة

محمد شحرور : من “الملة” الى “البروتستانتينية” ؟ أو العكس؟ بقلم مالك عيطة

محمد شحرور : من “الملة” الى “البروتستانتينية” ؟ أو العكس؟

بقلم مالك عيطة

Malek Aïta

==================================
تمهيد:
“أنه يتحدث عن كل شيء, يعرف في الزراعة و التجارة و الطب و السياسة و تاريخ فلسطين.”
( كاتب لا يبحث عن الشهرة)
” أحذروا الطيور الثلاث: الشحرور! الحبش! و الحسون!”
(مقولة/مثل شعبي دمشقي انتقائي)
” المشكلة في إيطاليا لا تتمثل في شخص موسوليني كما يظن البعض, لكن المشكلة كانت في سؤال: لماذا و كيف صفقت الجماهير الإيطالية الحاضرة يومذاك في ساحات و شوارع نابولي و روما بحماس لموسوليني؟”
( أمبرتو أيكو)

“شحرور” و “الملة” :

أخذ محمد شحرور الجهد على نفسه منذ حوالي نصف قرن من الزمن البحث في إعادة التأويل للتنزيل الحكيم. حيث أعتبر في معرض رده المفصل في كتابه ( الكتاب و القرأن)على كل المشككين به أنّ البحث المعجمي و أسلوبه في أستدلال ترادف المعاني – أي دلالات المفردات المتشابهة في المعنى- غير كاف للحصول على تفسير أو شكل من أشكال التأويل “الصحيح” للنص القرأني لأن معاني الكلمات و المفردات و المفاهيم التي يستعملها الفقهاء القدماء/الجدد هي “ثابتة” بمعنى جامدة لا تقبل إضافة دلالات جديدة. كما أنّ المفردات القرأنية تحمل دلالات معاني و مفاهيم لا تتناسب بالضرورة مع نظيرتها الأخرى من “المفردة” المتشابهة في الدلالة و المستمدة مثلاً من التراث الشعري أو من غيره لذلك لا تستطيع المفردات الشعرية, على سبيل المثال لا الحصر, أن توصف صيرورة الحدث القرأني “المستمر” حسب شرح الدكتور الشحرور.
بالنسبة لصاحب مشروع ” القراءة المعاصرة”, فانّ منهج الترادف القائم في أدبيات و تفاسير “الأئمة” ليس سوى أداة أو برنامج لغوي يسعى للسيطرة على تفاسير و دلالات أمهات كتب نصوص التراث وذلك عبر اعتمادهم – أي الفقهاء – على أدراكات العالم ” المرحلية” فقط و النابعة من الأشياء الموجودة و المفاهيم المجردة في مرحلة القرون الأولى التي تلت الإسلام. أي أنها قيود سلطة ” النحو” و “الفقه” على أستقلالية “النص” باسم الوفاء للأصول و التقاليد. اذاً هل كان يدعو الى شكل من أشكال القطيعة المعرفية مع كل مضامين و محتويات التراث؟
في ثباتية النص و تحرك المعنى أبتعد شحرور بدوره عن “بنيوية” نصر حامد أبو زيد و “تفكيكية ” محمد أركون و كما نحى جانياً الموروثات التأويلية عبر قطيعته المعرفية مع “الفقهاء” و أصحاب الاجتهاد التقليدي ليخلق من جديد سجال و مشكل في نظر جمهور “الملة” . أتهم من خلالها بأنه يقوم بطرح خلخة ابستمولوجية واضحة و مكشوفة تتخربط فيها مشهد الثوابت و المسلمات كما خارطة المفاهيم عبر أستخدام أنماط أستدلال جديدة و أنظمة براهين غير معتادة في الموروث الفكري الإسلامي. لتعويض الفراغ الابستمولوجي لجأ شحرور الى الاعتماد على براغماتية “المعنى” و دللّ على تقاطع منهجية لغوية جديدة مع نظام معرفي “حديث” في قراءته للنص القرأني.
ما هي منهجيته المعرفية اذاً لتصور الموجود و لكشف المحجوب ؟.
ما أراده شحرور هو توسيع المعرفة الدلالية لينتقلو أصحاب الأنفس المتطلعة الى ما سماه مستوى ” التجريد الكامل” و هو المستوى القادر على المشاركة في “لحظة الأبداع” حسب حسب حنفي و الأندماج في المشهد الكسموبوليطيقي المأمول بين البشر الحاليين.
كان يبحث عن صيرورة ” دينامية” مفتوحة ,حسب لغة بيرس و أمبرتو أيكو, منفتحة على دلالات “سيميوزية” (أصغر وحدة دلالية) أخرى, لكن الفرق أن أشتغاله الدينامي للدلالة و المعنى كانا يخضعا لمركز غير منظم.
لم يكن المرحوم شحرور كما يظن البعض, حتى لو كانت هذه التشكيكات و المقولات على هيئة تهمة, أو حتى كما ظن هو نفسه في بعض المواقف ونكرها في أحيان أخرى كثيرة, بأنه يستعين بالمنهج العلمي “الوضعي” أو ” الدقيق” فقط لاستحواذه على كل ما هو خارجي عن اللغة. فالتجارب التأويلية من شلايرماخر الى ديلتاي للنصوص المقدسة تقول لنا بغير ذلك.
بل أن المرجع و “الموسوعة البحثية” لديه كانتا في بعض المواقف ” السجالية” تعتمد على شكل من أشكال تصور مثالي متخيل لشخصية المسلم المحدث بنسخته الكسموبوليطيقي (مواطنة العالم).
في هذه المنهجية الجديدة الشحرورية ظهرت شطط مفاهيمية فكانت غلبة “الحداثة” على الابستمولوجي. كل ما يمكن أستنتاجه بعد الأتطلاع على مشروعه بأنه كان ينتمي الى تيار الاستمرارية التاريخية التي كانت تسعى لاحتواء الماضي و تنشيط سرديتها المقدسة.

من “الملة” الى “البروتستانتينية” ؟ أو العكس؟

أنّ فعل تنشيط السردية المقدسة هو فعل سياسي قبل أن يكون ميتافيزيقي, سوسيولوجي/ اجتماعي قبل أنّ يتدارك و يصبح على شكل صيغة تاريخية و أنثربولوجية مطلقة. أي هي لحظة التفكر من “الدراوينية” الى نشؤ تيار الاستمرارية التاريخية, اذا شئتم؟
لو طرح السؤالين التاليين في الماضي يوماً على أمبرتو أيكو قبل وفاته وعلى فرض متخيل أنه يجيد اللغة العربية و لديه اطلاع كاف على الثقافة العربية :
تحت أي سقف رمزي تاريخاني يمكن أن نجمع بين كل من صادق جلال العظم و الشيخ القرضاوي؟
أو ما هي درجة الاستفادة المنهجية من القوة التنشيطية للسردية المقدسة التي ستسفر عنها مناظرة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي مع الأكاديمي الدكتور الطيب تيزيني؟
الجواب سيكون : بالطبع لا شيء. يا صاح !! أنهً سجال و ليس حوار!
أنّ أصحاب الفكر المللي و المدافعون عن أخطار مصالح “الملة” قد طمست معالمهم و هم يصنعون الضجيج الهووي النرجسي في كل مناسبة جدلية و سجالية يكون فيها صلب حديث الموضوع يتناول “الغير مألوف”. كيف الخروج من مأزق اللاحوار؟ لقد أضافت لغة و أسلوب الخطاب السياسي العالمي المعاصر (نقصد فيه الخطاب الترويجي للمشاريع الكونية) و في ظل تدهور الأوضاع العربية حالة فريدة من الشعور الهووي المتشنج مع فكر “دعاوي استقلالي” حسب العروي. تشنج مزمن تعود جذوره منذ السجال حول الفكر العقلاني الذي دار بين الغزالي و ابن رشد وازدت أصولية و عناداً في يومنا هذا أي في عصر انتصار التأويل “التقني” حسب هيدغر.
أنّ محمد شحرور أو كما يسمى أيضاً مارتن لوثر الإسلامي كان في حقيقة الأمر لوثرياً و داروينياً و هيغلياً و شتراويسياً (نسبة لكلود ليفي شتراوس) بشكل مكثف و بدون أن يعود و يتوقف أو يراجع أي مفصل نقدي. كان يريد أن يتجاوز بكشل مستعجل القيود الهووية التي أنشأتها أجهزة الدولة/الوطنية الحديثة المتعالية على “الملة”. كان يريد وصفة هووية دون الرجوع الى أي وصاية لاهوتية/دينية من الأزهر أو قم . كان يخاطب بعض عوام “الملة”, أي هذا الجيل المحدث بدون حداثة حسب لغة فتحي المسكيني,و يريد منهم تفعيل سرديتهم المقدسة للوصول الى حداثة لها “موضع روحي” من ظاهرة الانتماء الكوني و هي ظاهرة انتماء خاصة بالإنسان “الحديث”: أي المسلم الحديث الكسموبوليطيقي.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع