أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » قانون سيزر وارتداداته الإقليمية والدولية : بقلم الباحث والأديب : أسامة محمود آغي

قانون سيزر وارتداداته الإقليمية والدولية : بقلم الباحث والأديب : أسامة محمود آغي

قانون سيزر يذهب إلى اعتبار كل من يتعامل مع النظام السوري في مجالات العلاقة بالمصرف المركزي السوري، وعملية إعادة الإعمار، وكذلك ما يتعلق بالنقل الجوي والطائرات المدنية، بيعاً أو تزويداً بقطع تبديل، معرَّضاً للعقوبات الأمريكية.

يعتقد كثيرون أن بعض القوانين التي تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية هي مجرد تلبية لحاجات سياسية مؤقَّتة، وأن هذه القوانين يمكن المماطلة في تنفيذها، أو إغفالها ونسيانها. وأصحاب هذا الرأي يتجاهلون عن قصدٍ أو جهلٍ، أن الولايات المتحدة هي بلد القوانين والحقوق، وأن أي جهة ترفع دعوى قضائية بحق رئيس الدولة، أو أحد قادتها السياسيين أو التشريعيين، ينظر فيها القضاء وفق القوانين لا وفق مكانة المدَّعَى عليه.

وهذا يجعل من قانون سيزر الذي مرّره مجلسا الكونغرس الأمريكي (النواب والشيوخ)، وبعد توقيع الرئيس ترمب عليه، وثيقة رسمية تستحقّ التنفيذ. وعدم فعل ذلك يُعتبر تعطيلاً للقانون الأمريكي، ويضع المعطّل أمام مساءلة القضاء ومؤسسات التشريع التي أقرَّته.

ومحتوى هذا القانون يذهب إلى اعتبار كل من يتعامل مع النظام السوري في مجالات العلاقة بالمصرف المركزي السوري، وعملية إعادة الإعمار، وكذلك ما يتعلق بالنقل الجوي والطائرات المدنية، بيعاً أو تزويداً بقطع تبديل، معرَّضاً للعقوبات الأمريكية.

إذاً يبدو هذا القانون كأنه بداية قطع نسغ الحياة عن النظام السوري، وأن كل من يمد هذا النظام بالمساعدات سيجد نفسه عرضة للعقوبات المشددة. ولكن قراءة محتوى هذا القانون تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ هناك مستهدفون حقيقيون من هذا القانون، والمستهدفان بالدرجة الأولى منه هما روسيا وإيران. فهذان النظامان السياسيان هما من أبقى النظام حتى اللحظة في حالة وجود. كذلك هناك مستهدفون غير علنيين لا يريدون تغيير النظام السوري وبنيته الاستبدادية خوفاً من انتقال عدوى التغيير إلى بلدانهم.

إن المشروع الروسي والمشروع الإيراني في سوريا هما مشروعان قيد الخلخلة، فالروس في وضعهم الاقتصادي الحالي، وفي ظلّ عقوبات غربية تؤثِّر على اقتصادهم، لن يستطيعوا إيجاد سبل تمويل وتغذية النظام السوري ماليّاً أو اقتصاديّاً، وهذا يعني تدهوراً سريعاً على صعيد بنية ما تبقى من اقتصاد هذا النظام، الذي تتهاوى ليرته نحو جحيمها.

الروس في ظلّ قانون سيزر، الذي سيرى الحياة والتنفيذ في المستقبل القريب، سيجدون أن ما حقّقوه من إنجازات سياسية أو اقتصادية في سوريا، نتيجة دعمهم للنظام بالقوة العسكرية وغير العسكرية، عرضة للخسارة والفقد، وهذا يعني بميزان القوى، أن الروس مضطرون إلى التعامل مع الأمريكيين على قاعدة تفاهمات في ظلّ تهديد قانون سيزر لمصالحهم.

الروس لن يستطيعوا تعطيل فاعلية قانون سيزر، لهذا هم مضطرُّون إلى مراجعة سياسية حقيقية لموقفهم من الصراع في سوريا وعليها. ولعل أهمّ ما يُتوقع أن ينتج عن هذه المراجعة، التي بدأت بصمت، وتسربها بين حين وآخر وسائل إعلام مقربة من النظام الروسي، هو التخلي عن تعويم نظام بشار الأسد الذي غدا عائقاً أمام مصالحهم، هذا التخلي سيجد وسيلة الضغط الشديد على أركان النظام السوري ودائرته الحاكمة الضيقة للذهاب بلا ممانعة إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 2254.

هذا الموقف يجب أن تلتقطه المعارضة السورية وهيئة مفاوضاتها، فالنظام وحلفاؤه في حال ضعيفة، وسيتعرضون لهزات سياسية واقتصادية غير معتادة، وليس باستطاعتهم مقاومتها. لذلك ينبغي أن تعلن المعارضة بصراحة أنها لن تقدم أي تنازل يخص تغيير طبيعة النظام الحاكم في سوريا، من بنيته الاستبدادية إلى بنية نظام سياسي مؤسساتي، يحترم حقوق الإنسان في البلاد ويحافظ على وحدة مكوناتها في ظل قوانين عادلة.

الإيرانيون سيجدون أن قانون سيزر هو مزيد من إطباق العقوبات الأمريكية على نظامهم السياسي، وعلى نفوذهم في بلدان الشرق العربي، ومِن ثَم فهم يعرفون، أن تطبيق قانون سيزر، سيلحق باستثمارهم السياسي والاقتصادي والعسكري في سوريا مزيداً من الضرر، وليس أمامهم سوى إخلاء الساحة السورية والإقليمية من نفوذهم، ولو بالتدريج، لأنهم سيختنقون بحبل العقوبات الأمريكية كلما طال زمن مماطلتهم للانسحاب من المنطقة، تحديداً من سوريا.

قانون سيزر في بعده الإقليمي، سيدفع دولاً إقليمية، راهنت على بث الحياة في النظام السوري المتداعي، إلى مراجعة سياساتها الانفتاحية على هذا النظام، فاستمرار انفتاحها وتوسُّعه، يعني وضع أنظمتها تحت قانون المساءلة الأمريكية الذي يمثِّله قانون سيزر، لهذا فهي مجبرة على التناغم مع فاعلية هذا القانون رغم أنه لا يصبّ في مصلحتها السياسية.

إذاً يمكننا القول إن قانون سيزر، الذي سيرى النور بعد توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عليه، سيكون له ارتدادات داخلية في سوريا، وكذلك ارتدادات إقليمية ودولية. ولعل أهمّ ارتداداته يتمثل بتغيير لعبة الداخل السوري، إذ إن النظام حاول طيلة زمن الصراع مع الثورة السورية، أن يحافظ على تمتُّع حاضنته بما يعتقده مصالحها، وتلبية احتياجاتها المعيشية، وهذا ما سيفقده النظام في ظل قانون سيزر، مِما سيزيد غضب حاضنته، وتحوُّل رأيها فيه، واعتباره مهدّداً لوجودها.

إن ارتدادات قانون سيزر، ستمس بالدرجة الأولى، مقدرة النظام وحكوماته وتجاره على التملُّص من تبعات قانون سيزر، فهذا النظام لن يستطيع بعد اليوم تلبية حاجات حاضنته، وحاجات استمرار وجوده كنظام سياسي، وفق صيغته التي فجَّرَت الثورة السورية. وهذه المرة ستتعرض الحاضنة الشعبية الداعمة للنظام لهزات عميقة، تتعلق بلقمة عيشها، وبمقدرتها على الوفاء بالتزاماتها السابقة في الدفاع عنه.

أما إذا التحقت أوربا الغربية بالمسعى القانوني الأمريكي، وعملت على قانون عقوبات مماثل أوربيّاً، فإن سرعة انهيار النظام ستزداد بشكل كبير، ومِن ثَم سيجد حلفاء النظام من الروس والإيرانيين أن لعبة العقوبات الغربية وفي مقدمتها الأمريكية هي أكبر من احتمالهم لنتائجها عليهم سياسيّاً واقتصاديّاً. فهل تذهب أوربا الغربية للانحياز إلى مصالحها الاستراتيجية، أم ستبقى تنوس وفق طريقة ماكرون حول مدى الفائدة المؤقتة.

بقي أن نقول إن السوريين مُقبِلون على تغيير لعبة الصراع بينهم وبين النظام وحلفائه، وعلى قيادات مؤسسات المعارضة أن تتلاقى مع فاعلية قانون سيزر، وأن تبتعد أقصى ما يمكن عن الفهم الفئوي والثأري والانتهازي، وأن تعمل فقط لمصلحة سوريا الجديدة، ومن لا يجد من المعارضة قدرة على فعل ذلك، فليُخلِ الساحة لمن يعمل على تثبيت مصالح السوريين في الحرية والكرامة ودولة المؤسسات الديمقراطية العادلة.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع