أخبار عاجلة
الرئيسية » منوعات » هربا من الضوضاء.. الدمشقيون يلوذون بتاريخ مدينتهم القديمة

هربا من الضوضاء.. الدمشقيون يلوذون بتاريخ مدينتهم القديمة

تشكل دمشق القديمة ملجأ للصفاء والاسترخاء لسكان العاصمة لاستنشاق عبق التاريخ والاستمتاع بالعمق الحضاري والتاريخي لمدينتهم من خلال أبوابها وكواكبها، وذلك هربا من الضوضاء والضجيج.

تنقل عينيها يمنة ويسرة أثناء دخولها إلى أحياء دمشق القديمة من خلال باب توما وتتمعن جيدا في ذلك الباب الحجري القديم ثم تسير بجانبه حتى تعبر بقايا سور دمشق الذي يؤدي إلى تاريخ عريق وطويل عاشته تلك الأبنية والجدران الأثرية.

وتزور هيا عبدو أحياء مدينتها القديمة بشكل دائم وتنتقل -كلما وصلت بجانب دكاكين تحافظ على مهن يدوية- بين أحياء شامخة نحو عصور كانت فيها دمشق عاصمة الدنيا فترة ازدهارها.. شعور يتكرر لديها في كل لحظة تدخل فيها إلى المدينة العتيقة عبر أي من الأبواب السبعة التي لا تزال معابر أساسية للوصول إلى عمق مدينة الياسمين.

بين الحاضر والماضي
عند جدران منازل ودكاكين دمشق القديمة القريبة من أبوابها السبعة تجد هيا فسحة تترك خلالها الحاضر، وتقول في حديثها للجزيرة نت إن الحاضر السيئ الذي تعشيه سوريا يجعلها تبحث دائما عن متنفس يبعدها عن الأجواء المشحونة في العاصمة، مشيرة إلى أنها لم تتمكن من السفر أبدا خارج سوريا ولا حتى إلى المحافظات الأخرى، مما دفعها للبحث عن ماضٍ في ظل حاضر مجهول ومقيت، على حد وصفها.
أبواب مختلفة تؤدي إلى داخل المدينة القديمة لدمشق

وترى هيا عبدو -ابنة حي الميدان الدمشقي- أن لديها رغبة دائمة في الدخول إلى دمشق القديمة من أبوابها المختلفة، فهي تترك خلفها أبنية عالية لا روح فيها لتدخل أبوابا حجرية قديمة تعرف تاريخ كل منها من خلال محاولاتها المستمرة للوصول إلى ماضيها عبر قراءتها كتبا متنوعة تذهب بعقلها إلى قرون سابقة.

وتصف هيا نفسها بالفتاة الرومانية مرة وبالأموية مرة أخرى، وتتخيل الأوقات التي عاشت فيها دمشق تقلبات سياسية واجتماعية وقيام دول وانهيار أخرى، أبرزها الرومانية قبل الإسلام والأموية بعده.

الكواكب السبعة
حين كان سور دمشق يحيط بكامل المدينة القديمة حتى يحميها من الأطماع الخارجية والغزاة كانت هناك حاجة لأكثر من باب في محيط المدينة ضمن الحائط حتى تتسع لسكان دمشق والزائرين الذين يدخلون إليها يوميا.

وتعتبر الأبواب السبعة رومانية ويعود تاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويدل كل واحد منها على كوكب مختلف بحسب معتقدات الرومان -هذا ما أكده ابن عساكر الدمشقي في كتاب “تاريخ مدينة دمشق” (الجزء الأول، الصفحة 17)- الذي يقول فيه إن كل باب صوّر عليه الكوكب الذي يرمز له.

ويشير باب توما إلى كوكب الزهرة الذي أصبح يعج بالمقاهي والمطاعم التي تتخذ من منازل قديمة مكانا لها ويجد فيه أهالي دمشق متنفسا لهم، ويرمز لكوكب المريخ بالباب الصغير جنوبي المدينة، وتوجد مقبرة تاريخية يجد فيها سكان العاصمة ماضيا يستحق الزيارة بحثا عن الانتصارات بين قبور أمراء بني أمية.

ويرمز باب الفراديس إلى كوكب عطارد يجاوره سوق العمارة بعدما أطلق على الباب في العصر الحديث باب العمارة، في حين يشير كوكب المشتري إلى باب الجابية الذي يكون مزدحما أغلب الوقت على الرغم من الإهمال الواضح في تلك المنطقة تحديدا.
باب شرقي بالمدينة العتيقة يرمز إلى الشمس

ويضاف إلى تلك الأبواب والكواكب باب شرقي يرمز إلى الشمس، وتأتي شهرته مع باب الجابية كونهما كانا البابين اللذين دخل منهما جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد وأبي عبيدة الجراح إبان الفتح الإسلامي للشام.

ويرمز باب كيسان إلى كوكب زحل، حيث تقع بالقرب منه مقدسات وكنائس إضافة إلى السور الروماني، أما الكوكب الأخير المعتقد لدى الرومان فهو القمر الذي يدل على باب الجنيق، غير أنه أفل منذ زمن بعد سده بحجارة لا تزال تدل على مكانه في حارة تعرف بالفرايين.

الأبواب العشرة
دفعت التغييرات التي شهدتها دمشق القديمة على مر التاريخ إلى حاجة دائمة لسد وفتح أبواب جديدة في سور دمشق الذي يعتبر أول حائط وضع في الأرض بعد طوفان نبي الله نوح عليه السلام بحسب ما يذكر “معجم البلدان” لياقوت الحموي.

ووصل عدد الأبواب في السور خلال كل العصور إلى عشرة أبواب، سبعة منها رومانية استنادا إلى كتابات موجودة عليها، وتمتاز طريقة بنائها الرومانية بوجود ثلاث فتحات في كل باب تأخذ شكل القوس من الأعلى، تكون أكبرها في الوسط، في حين تكون الفتحتان على جانبي الوسطى أصغر وتستخدمان ممرا للمشاة.
باب كيسان واحد من الأبواب العشرة لدمشق القديمة

أما الأبواب التي بقيت ويعتقد أنها ليست رومانية ومكملة للأبواب العشرة فهي ثلاثة لا تزال موجودة، وتعرف بأسماء السلام والفرج والنصر، وبنيت ورممت في أوقات مختلفة.

في المقابل، تختلف الروايات التي تدل على العدد الحقيقي للأبواب في دمشق (عشرة أبواب أم أكثر)، لكن الرواية الحقيقة في ذلك هي أنها تشكل اليوم طريقا يسير بالمرء إلى تاريخ عريق عاشته العاصمة خلال عصور طويلة وجعلت من المدينة العتيقة لوحة تظهر بشكل واضح لأي شخص يدخل إليها ويتمعن في جدرانها كما يفعل أبناء دمشق هربا من الواقع المؤلم.

المصدر: الجزيرة نت