أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » المحامي فوزي مهنا: السوري المنكوب وأصحاب الجينات العنصرية في لبنان

المحامي فوزي مهنا: السوري المنكوب وأصحاب الجينات العنصرية في لبنان

المتابع لما يجري على الساحة اللبنانية من تصريحات ومواقف عنصرية بحق السوريين، خصوصاً بعد المعركة التي خاضها كل من القاتل فادي هاشم وزوجته الفنانة نانسي عجرم وآخرون، بحق السوري المغدور محمد الموسى، بعدما أمطر بجسده ثمانية عشر طلقة نارية، وفقا لتقرير الطب الشرعي، وما تلى ذلك من استدعاء هاشم إلى القضاء، وإخلاء سبيله بعد ذلك بساعات قليلة، يُدرك بما لا يدع مجالاً للشك بأن ثمة جينات استثنائية طائفية وعنصرية لدى بعض اللبنانيين، باتوا يتوارثونها جيلاً بعد جيل؟.

يُدرك بأن الأنا لدى هؤلاء قد انتفخت وتضخّمت بصورة قاتلة، لذلك فشلوا فشلاً ذريعاً باستعادة العيش المشترك، بصورة عادية وطبيعية، مع بقية اللبنانيين، لا بصورة مصطنعة، كالتي يعيشها لبنان بسببهم اليوم، على حد وصف الكاتب نمر فريحة بروايته “جمهورية الموز والحكواتي”.

يُدرك بأن لبنان الأرز لم يعد وطناً حقيقياً كما يرد في أغاني الفنانة فيروز، وفقاً لقول الدكتور محمد الرميحي، وإنما وطناً متخيلاً، بل وطن يعيش على الأساطير والأكاذيب، على حد قول الباحث والكاتب اللبناني عبدالله نعمان، بكتابه “تاريخ أمة لم يكتمل” وبالتالي مثله تماماً مثل جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية سابقاً (انقسام وتشرذم، استعصاء سياسي مزمن، سيادة مرهونة للخارج، قضاء مسيس، وغير ذلك).

يُدرك بما لا يدع مجالاً للشك بأن لبنان اليوم يعيش حالة إفلاس تام، لا حكومة ولا سلطة ولا قضاء، بعد أن حاصر القضاة، كما الأجهزة الأمنية نظام المحاصصة الطائفية، بهدف تطويعه وجعله بيده للامساك بكل مفاصل الدولة، كما يقول البطرك بشارة الراعي (النهار 7 تشرين الأول 2019) وبالتي فإن “الضعيف هو الذي يلجأ إليه” حسب تصريح رئيس البرلمان اللبناني (المؤسسة التشريعية) نبيه بري (جنوبية 26 ديسمبر، 2017) ليس ذلك فحسب بل بات تدخل السياسيين في عمل القضاء وحشياً، وفقاً لما قاله رئيس مجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر، على منبر نقابة المحامين في بيروت (المفكرة القانونية 2015/04/20).

ليس كل لبناني لبناني، تقول الأستاذة الجامعية اللبنانية دلال البزري “أن اللبنانيون عنصريون بغالبيتهم، ولن تجتهد كثيراً لإيجاد الجذر المؤسس لتلك العنصرية، بسبب نظامهم الطائفي الذي يشتمونه ليل نهار، من دون أن ينتبهوا إلى عمق تغلْغله في أعماق أرواحهم، إنهم طائفيون، مذهبيون، مناطقيون، عتاة التفرقة على أساس الاختلاف. إلا اختلاف واحد، هو الثراء” (المدن 07‏/07‏/2016) بينما يقول الكاتب اللبناني حازم الأمين: في لبنان صار للعنصرية شعراؤها وسياسيوها وأطباؤها وجنودها.

والسؤال، من أين جاء بعض اللبنانيين بكل هذا الكم من الكره والعنصرية بحق الآخر؟ هل حقاً بسبب حجم اللجوء السوري والفلسطيني الكبيرين كما يتذرعون؟ أم أنها جروح نرجسية تعيشها تلك العبقريات، نتيجة الاستزلام للطائفة، وزعاماتها الاقطاعية، والاستقواء بالسلاح غير الشرعي، وما يرافق ذلك من تبعية وشعور بالدونية، أم بسبب تصاعد حدة المنسوب العنصري لديهم، الناجم عن إرثهم الفينيقي المزعوم! المبني على الأساطير، التي تحدث عنها عبدالله نعمان؟.

ثم من ساهم بنفخ وتورُّم تلك الأنا لدى هؤلاء؟ لقد سبق لهم أن تحدثوا لنا عن التفوق الحضاري للمجتمع المسيحي في لبنان، كما يتحدثون اليوم، وأن لبنان إمبراطوريّة بكل معنى الكلمة، بل إنه واحد من ثلاث حضارات عبر التاريخ البشري، وفقاً لمنظر العنصرية اللبنانية سعيد عقل.
قالوا لنا أن يسوع المسيح ولد في لبنان لا في بيت لحم الفلسطينية (الأب يوسف يمين، المسيح ولد في لبنان، اهدن، الجمعية الكونية، 1999) وأنهم وحدهم دون غيرهم من أحفاد أعرق الحضارات البشريّة (الفينيقية) وما الأدب العربي سوى نتاج العبقرية المسيحية، وفقا للبطرك الماروني أنطون عريضة، لذلك لم يتوانَ سعيد عقل عن وصف اللغة العربية “بالكرخانة”.

تحدثوا كثيراً عن العبقرية اللبنانية، قالوا أنها هي التي ابتكرت الأبجدية الأولى، وليس مملكة أوغاريت السورية، لذلك بفضلهم انطلقت الحضارة الانسانية لتنعم بقية الحضارات ازدهاراً، مما دعى كبار المؤرخين في العالم للكتابة عن عظمتهم وأمجادهم.

لذلك لا عجب أن يتم تصنيف لبنانهم في المركز الثاني عالمياً والأوّل عربياً بين الدول الأكثر عنصرية في العالم، حسب استطلاع، أجراه في عام 2015 موقع “إنسايدر مونكي الأمريكي” ليتضح للقاصي والداني بأن ذلك البلد العظيم، معظم تاريخه مبنيٌ على الأوهام والأحلام، “في لبنان كانوا، وربما مازالوا، يدّرسون الأساطير والخرافات، لا بصفة كونها أساطير وخرافات، بل باعتبارها وقائع حدثت بالفعل، على حد قول الكاتب والباحث صقر أبو فخر.

هل سمعتم بوطن يحتفل باليوم الوطني للتبولة (صحيفة الرأي 11/7/2012) ولا يستطيع الاحتفال باليوم الوطني للتوافق؟ أو باليوم الحقيقي للاستقلال؟ هل سمعتم بدولة لا تستطيع التصويت في الأمم المتحدة بسبب عجزها عن دفع الرسوم المقررة عليها؟ هل سمعتم بقضاء في أي دولة من دول العالم، يقوم بإطلاق سراح قاتل بعد الاستماع إليه مباشرةً، بذريعة الدفاع المشروع، مع أن القاتل تجاوز حدود هذا الدفاع على فرض صحته، المنصوص عليه بالمادة 563 من القانون اللبناني، بقيامه بإطلاق 18 طلقة في جسد المغدور، من ثم اللجوء للتمثيل بجثته.

كان لبنان ذات يوم يُفاخر بأنه الميناء الذي يصدر صناعة الأحرف ووهج الكلمات، وفقا للكاتب اللبناني سمير عطالله، اليوم بات يتفاخر بأكبر صحن حمص وصحن تبولة والحض على العنصرية، بات يتغنى بالهوت شورت لهيفاء وهبة والبكيني الأصفر لكورتني كرداشيان، بل أصبح يتباهى بشورط شرطيات المرور لبلدية الهرمل “لأن أغلب نساء لبنان يرتدين الشورت، كما أنّ لبنان أول دولة بالوطن لعربي المرأة ارتدت فيه الشورت ولعبت التنس” على حد قول بيار الأشقر رئيس بلدية برمانا لسيوتينك عربي ( 23/06/2018).

لذلك قلما نشاهد اليوم العلم اللبناني يرفرف فوق إنجاز وطني عظيم، سوى فوق تلك الصحون، باعتبارها ليست صحون اسرائيلية، كما يقول الشيف رمزي شويري، وإنما أحد أعمال المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل، التي تحاول سرقة حضارتنا وتراثنا، على حد قول وزير السياحة اللبناني فادي عبود (b.b.c 8 مايو/ أيار 2010) والمفارقة هنا أن عبود قد اعتبر أن مزيج التبولة إنما يُجسِّد خلطة الشعب اللبناني، بجميع أطيافه ومذاهبه ومواقفه!.

على شو شايفين حالهن هؤلاء اليوم ؟ ولبنانهم يتناوب بين الحرب الأهلية الساخنة، وبين الحرب الأهلية الباردة، منذ أواسط القرن التاسع عشر، ممارسات اتصفت بالبربرية، كالقتل على الهوية، إلى فرم أجساد الضحايا وصب الباطون المسلح على جثثهم، جرائم لم يشهد مثلها التاريخ الانساني، وفقا لألبير فرحات، بكتابه (الأساطير المؤسسة للنظام اللبناني) أو تحميل الجماجم بالسيارات على حد قول الدكتور أسعد أبو خليل.

لم يدرك هؤلاء أنه لولا الحرب السورية، المستعرة منذ ما يُقارب التسع سنوات، بالقطع لما توقّفت حروبهم فيما بينهم، ولما توقف شلال الدماء، في مجتمع هش يحمل في جوفه كل مقومات الانفجار وإمكانية تحوله في أي لحظة لحرب أهلية تحصد الأخضر واليابس، بالطبع الأمثلة كثيرة، قريبة وبعيدة، يعلمها القاصي والداني على حدٍ سواء.
على شو شايفين حالهن؟ وقد سقط في معركة استقلال لبنان نحو خمسة أشخاص فقط، بينما سقط نحو مائتي ألف قتيل في حرب إسقاط الميثاق الوطني، كما يقول سمير عطالله، ولولا الثورة السورية الكبرى التي دفع السوريون لأجلها الدماء الكثيرة حتى نالوا استقلالهم، كما يقول القيادي في الحزب السوري القومي الاجتماعي توفيق مهنا، لما حصل لبنان بالقطع على استقلاله.

على شو شايفين حالهم؟ وقد ذهبت الدولة اللبنانية برمتها الى الدوحة، لكي تتمكن من الاتفاق على مقعد نيابي واحد! وفقاً لعطالله، فيما أمراء حربه وتجار الهيكل فيه، سرعان ما كانوا ينسون كل ذلك، فيتبادلون العفو العام والخاص، وفقاً لألبير فرحات بكتابه المشار إليه) كل ذلك، ليعودوا من جديد لشحذ سكاكينهم بمواجهة بعضهم البعض.

على شو شايفين حالهن هؤلاء؟ ومحاسبة المسؤول في لبنان أو أحد رعايا الطائفة يعتبر ضربٌ من ضروب الخيال، بعد أن تحولت المؤسسة القضائية بحكم النظام الطائفي اللبناني لألعوبة بيد السياسيين، لذلك يقول الكاتب والمؤرخ اللبناني عبدالله نعمان بلقاء مع قناة (فرانس 24 تاريخ 30/3 / 2017) أنه لو أراد مثلاً المسؤولون في لبنان أن يعدموا شخصاً قاتلاً، فإنهم مضطرون أن ينتظروا لسنوات إلى أن يُحكم على شخص آخر من دين أو طائفة أخرى بالإعدام، حتى يتم تنفيذ الاعدام بحق الاثنين.

هذا إذا كان المتهم لبنانياً، فكيف الحال إذا كان الضحية سوري والقاتل لبناني؟!لكن يبقى العتب كل العتب على الدول التي لم تقم بحماية أبنائها من التسلط الوحشي الذي يتعرضون له، في اغترابهم ولجوئهم الاضطراري، خصوصاً في لبنان.

ختاماً يقول أسعد أبو خليل أن الشعب اللبناني يُحسن القيام بواجب الضيافة للزائر في ثلاث حالات: الأولى إذا كان الوافد إلى لبنان رجلاً أبيض، من أوروبا وأميركا تحديداً، لأن ثقافة لبنان تأسّست على تبجيله، مهما غال هذا الرجل بالعنصريّة، الحالة الثانيّة إذا كان الزائر من دولة خليجيّة، ينحني الكثير منهم أمام أي شيخ أو أمير نفطي، بل يتطوّع بالإذلال الذاتي والمهانة مقابل المال، أو الوعد به، الثالثة يقوم اللبناني بواجب التكريم لرعايا أي دولة يقوم جيشها بالسيطرة على لبنان (جريدة الأخبار 10‏/01‏/2015).



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع