أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » نصر روسيا المفقود في سوريا بقلم بسام مقداد موقع المدن

نصر روسيا المفقود في سوريا بقلم بسام مقداد موقع المدن

يبدو أن روسيا ستبقى لفترة طويلة ، بعد الآن، منهمكة بالنقاش ، الذي أثارته التعديلات الدستورية ، التي اقترحها بوتين ، وبلورها في مشروع قانون قدمه إلى مجلس الدوما ، وعَبَر القراءة الأولى ، في طريقه إلى القراءة الثانية في 11 الشهر القادم ، والإقرار النهائي السريع . سيل من الأسئلة حول توقيت هذه التعديلات ، والسرعة البالغة في عملية إقرارها بقانون ، قبل طرحها على استفتاء عام أو إنتخابات برلمانية مبكرة في خريف العام الجاري ، وحول الهدف النهائي من “الإنقلاب الدستوري” هذا ، أو “انقلاب القصر” ، كما تسميه بعض القوى المعارضة والمواقع الإعلامية .

وتعترف المعارضة الروسية بكل توجهاتها ، بأنها صُدمت بهذا الإنقلاب ، الذي افتتح به بوتين مسألة خلافته في السلطة بعد أربع سنوات ، وبدا الجميع مرتبكاً لا يدري ماذا عليه أن يفعل ، سيما أن إمكانيات المعارضة ، خاصة الليبرالية منها ، محدودة للغاية ، كما بينت حركات الإحتجاج في آب/أغسطس الماضي ، التي لم تحشد أكثر من 50 ألف متظاهر في موسكو . تقول البوليتولوج المعارضة ليليا شفتسوفا على موقع ” News.ru” بأن بوتين قام بانقلابه الدستوري ـــــــ الحكومي ، ومنحنا سبباً لإفراغ العواطف وعقد المناظرات ، التي من المستبعد أن تترتب عليها عواقب إجتماعية . وهي لا ترى حتى الآن سوى تأويلات لمبادرات بوتين تلغي بعضها البعض ، حيث يؤكد البعض أنها انقلاب ، ويرد آخرون بأنها مناورة وضجيج لا شيئ وراءه ، ويذهب آخرون إلى القول بأنها سقوط للدولة ، في حين يرى غيرهم بأنها تدعيم لسلطتها . البعض يفترض أن بوتين لن يغادر موقعه أبداً ، والبعض الآخر واثق من أنه يهيئ وريثاً له ، وسوف نراهما قريباً يحكمان معاً كثنائي ، على قولها .

إثر طرح هذه التعديلات ، اصطفت القوى السياسية الروسية في مواقعها التقليدية المعهودة ، فصوتت أحزاب السلطة في الدوما لصالح إقرارها ، ولم يمتنع عن التصويت سوى الحزب الشيوعي الروسي ، الذي يعارض سياسة بوتين الإجتماعية الإقتصادية ، ويدعمه كلياً في سياساته الخارجية ، وفي مغامراته الحربية ، من أوكرانيا إلى سوريا وليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى . وفي حين التزم القوميون الروس بموقفهم المماثل لموقف الشيوعيين في دعم بوتين خارجيا ، والإعتراض عليه داخلياً ، وجد الديمقراطيون والليبراليون أنفسهم في وضع محرج فوجئوا به . فقد رأى غريغوري يافلنسكي ، زعيم حزب الديموقراطيين الروس الموحد (يابلوكا) ، في مقابلة له مع إذاعة “الحرة” الناطقة بالروسية ، أنه طالما أن ملايين الناس لا ينخرطون في العمل السياسي في بلدهم ، فلن يكون من الممكن القيام باي شيئ حيال انقلاب بوتين ، “الذي يفعل ما يحلو له” . ويدعو يافلنسكي مناصريه إلى الإستعداد لأوقات عصيبة ، إذ أن ما كان ميسراً قبل مبادرة بوتين ، لن يكون كذلك بعد قرار بوتين إجراء “تغييرات عدوانية” في سياسة روسيا وإبتداع حكومة جديدة. ويرى الرجل أن بوتين قد بدّل في عهده خمسة رؤساء وزارة ، وهذا هو السادس ، ولن يتغير في الأمر شيئ ، فمن كان يعيش جيداً سوف يبقى يعيش كذلك ، ومن كان يعيش سيئاً ، سوف يبقى على حاله أيضاً.

أما المعارض الليبرالي الآخر ميخائيل خادركوفسكي ، مؤسس الحركة السياسية “روسيا المنفتحة” ، والذي امضى عشر سنوات في السجن ، قبل أن يصدر بوتين عفواً عنه ، ويهاجر للإقامة في بريطانيا ، فقد قال على موقع إذاعة “صدى موسكو” أنه ، بعد إقرار التعديلات الدستورية ، يصبح من المستبعد إسقاط النظام سلمياً . ويرى خادركوفسكي أن السلطة تدفع المعارضين إلى خيار لا يريدونه : أو أن يدمر هذا النظام البلد ، أو أنه لا بد أن يُسقط بأقسى الطرق الثورية ، عن طريق الديكتاتورية الثورية ، لأن التعديلات تقضي على أقل قاعدة قانونية متبقية للإنتقال السلمي للنظام . ويرى بأنه ، حتى الآن ، لا يزال يتوفر للمعارضين سبيل آخر ، يتمثل بالإعتراف بعدم شرعية التعديلات ، والإعتراف بعدم شرعية السلطة ، التي تُغتصب بموجب هذه التعديلات ، ودعوة المجتمع الدولي لعدم الإعتراف بمُغتصب السلطة (بوتين) .

أما الصحيفة الرئيسية للمعارضة الديمقراطية الليبرالية “NOVAYA” ، فقد اختارت سبيلاً آخر للإعتراض على انقلاب بوتين الدستوري ، إذ عمدت الصحيفة إلى فتح ملف سياسة بوتين في الشرق الأوسط ، وحربه في سويا وليبيا وعلاقته مع إسرائيل . واستضافت لهذه الغاية المستشرق ألكسي مالاشنكو (كانت له مقابلة مع “المدن” في آذار العام 2017)، الذي كان يوماً نائباً عن حزب بوتين في مجلس الدوما ، وعضو مجلس الخبراء في وكالة نوفوستي، وأحد محللي مركز كارنيغي موسكو . في مقابلة أجراها معه نائب رئيس التحرير ، يقول مالاشنكو أن سياسة روسيا الشرق أوسطية ترتكز إلى محاولتها الإثبات بكل قوتها ، أنها لا تزال دولة عظمى ، أو “ما يقرب منها” ، وأنه يمكن أن يكون لديها مصالح ، ليس فقط في آسيا الوسطى وأوكرانيا والفضاء ما بعد السوفياتي ، بل وفي مكان أبعد من ذلك أيضاً . والشرق الأوسط هو المكان الأنسب من وجهة النظر هذه ، حيث تنشأ هناك دائما صراعات ، يمكن أن تشارك بها روسيا ، وحيث توجد قوى معينة تعبت من تغلغل الغرب ومن نفوذه ، وتبحث عن بديل له ، وهي مستعدة لقبول مساعدة روسيا ، التي تُعتبر، بالنسبة لهم ، بديلاً عن نفوذ الغرب وضغوطه.

السبب الآخر لوجود روسيا في الشرق الأوسط، الذي يراه مالاشنكو ، هو استعراض النجاح الخارجي داخل روسيا ، إذ كيف ما كان عليه هذا الوجود في الشرق الأوسط ، إلا أنه يُظهر للمجتمع الروسي ، أن روسيا لا تزال دولة ، كما في الماضي السوفياتي ، وأن الطبقة الحاكمة ينبغي احترامها “لأننا أقوياء ، ولأنهم يخافوننا” . ويقول حين دخلت روسيا إلى سوريا ، تولد لدى قسم من المجتمع دفق من احترام الذات “نعم ، نحن دولة قوية” . لكن سوريا الآن أصبحت مملة ، وأخذ يتكرر السؤال : ” وماذا نفعل نحن هناك” ، وتتزايد مع كل عام صعوبة الإجابة عليه ، لأنه ليس من نصر نهائي ، بل هناك تواجد فقط . وليس من المفهوم ما هو المستقبل ، على الرغم من أن الكرملين تصرف بما يكفي من المنطقية ، بل وحتى “بشكل ناجح في حالات ما” ، على قوله .

يرفض مالاشنكو مقولة ، أن روسيا أصبحت اللاعب الأكثر نفوذاً في الشرق الأوسط ، ويقول بأن المنطقة هي نموذج مصغر عن العالم متعدد الأطراف ، وكل طرف في الشرق الأوسط هو قطب ، ويستحيل ترتيب الأقطاب كأول وثانٍ وثالث ، إذ لو غاب أي منها ، فسوف يتبدل الوضع نوعياً . ويقول بأنه إذا ما انسحبت إيران من سوريا مثلاً ، فلن تتمكن روسيا من أن تحافظ بمفردها على الأسد ، على أن الصدام بين إيران وروسيا حتمي ، إذا ما انتهت الحرب ، حسب تصوره الشخصي ، كما يقول .

وحول إسرائيل ، يقول مالاشنكو ، أن الولايات المتحدة هي حليفها الرئيسي ، لكنه يتبين الآن ، أن روسيا هي ايضاً حليف مهم لإسرائيل ، التي تعتبرها دولة طبيعية مستعدة للتعاون ، وتخشى الإرهاب مثل روسيا تماماً . ويعتبر الشراكة بين روسيا وإسرائيل ، شراكة طبيعية كلياً وطويلة الأجل ، ويحتاج الإختلاف معها لعوامل إستثنائية جدا ، لا يراها متوفرة في الوقت الراهن .

يقول أحد كتاب النيويورك تايمز ، كما نقلت نوفوستي ، أن خوف بوتين على مصيره بعد انتهاء رئاسته ، وعدم ثقته بمن حوله ، جعله يطرح تعديلاته الدستورية الآن ، ويتعجل إقرارها في الدوما . لكن النصر في سوريا ، الذي كان يعول على تحققه ، وعلى إعفائه من مصير مماثل لمصير غورباتشيف ، يبدو أنه سيبقى مفقوداً بين أطلال سوريا واشلاء أبنائها ، وقد يكون هذا ما دفعه إلى التعجل في تدبر أمر استمراره في السلطة بشكل دستوري ، ولو ملفق.



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع