أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » رواية “سقوط حر” للروائية السورية عبير اسبر (1974)

رواية “سقوط حر” للروائية السورية عبير اسبر (1974)

حنين غاضب هو ذاك الذي نشعره ما إن نفرغ من رواية “سقوط حر” للروائية السورية عبير اسبر (1974)، حنين مكروه في زاوية ما، إلا أنه محاولة تجميع إنسانية لحياة ممزقة، تتجسد في صراع على إرث عمراني له هوية مدينة شوهها الإسمنت، حواجز وبنيات تشبه شقق السكن إلا أن غالبيتها بات حطاماً تحت القصف وكثيراً من الحواجز. علاوة على ذلك، لم ترضَ أشكال السقوط التي طالعتنا، بوقفة واحدة تفسر هذا الحب-الحمّى. إنّه المضي إلى صخبٍ مغامرٍ ومتوتّرٍ يُشبه صاحبته “ياسمينا” إذ نستعيد معها لحظة السرد الأولى بمشهد قتل والدها وأسبابها وراء ذلك والإحالة إلى مناخ حكاية شخصيّة مع المكان، العائلة، الخيبات، والبلاد الغارقة بحروب في كل تفاصيلها.

تروي اسبر على لسان بطلتها، مأساة فقدانها لبيت العائلة في إحدى حواري الشام القديمة، والذي يتبين في ما بعد أن أحد الأقارب استولى عليه ولم يكن والدها الفاعل. فتأخذنا في قراءة ذاتية للأسباب المحتملة التي دفعت لاتخاذ مثل هكذا قرار، وجعلها تشعر أن علاقتها بالمدينة قد قتلت. حينها وجدت أن رعايتها لهذا الأب، هي ظلم بحق تحمّلها للعواصف الاجتماعية والعاطفية من جهة الأم وعائلتها وما بينهم من نزاعات ميراث ورهان على بيع الذكريات بهذه السهولة. أحداث تدخلنا إليها اسبر بأسلوب رشيق وبسيط فيه قدرة على الاختزال وتكثيف الأحداث وتداعيتها من أزمات مختلفة وتجسيد أدبي ممتع.

تتذكر “ياسمينا” الواقفة رهن التفتيش في أحد المطارات، كيف أصبحت هي ابنة أبيها وكيف اعتنقت ذلك كدِين، ابنة ولدت لتُشعر والديها أنها خطأ محبين أهوجين، حسب تعبير الكاتبة. فـ”شربل داغر”، الأب المقتول، كان طبيباً مشهوراً وثرياً وحقق نجومية متألقة في مجتمع لا أسرار فيه بعد عمل جرحي تجميلي لأنف مهشم جعله يصل بقوة الشهرة والمال مع سريان التفاهة والسطحية في طرقات المدينة تعاظم عمله التجميلي، لكن قبل ذلك تخلت زوجته عنه، بعد مجيء “ياسمينا” بعشرة سنوات، لافتقاره إلى الطموح والحضور الاجتماعي والنجومية. الأم “مارلا” التي كانت على الدوام ترمي كلاماً عن كوارث الزواج برجل خطأ، الرجل الريفي الجلف. من هذه البيئة المتصارعة في طبقاتها، ولدت بطلة الرواية العالقة في أوهام خوفها من اكتشاف جريمتها.

على هذا النحو من المقاربة السردية، ومخاطبة الذات أحياناً بألسنة الآخرين، تضعنا الكاتبة في سياقات مختلفة لمعمار روايتها، بين اللحظة التي تعيشها حالياً في أحد حواجز التفتيش في المطار، مثلاً، إلى انهياراتها من ماضي ما فعلته بأبيها وحاضر عاشته بانتظار طائش حين بدأت رحلة المغادرة في خريف 2012 لأن كل ما في الشام بدأ يمارس ضدها عملية اقصاء منظّم. تنقلت في مدن وعواصم لكنها استقرت في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، كندا، ورمت كل شيء، البيت والعائلة والمال، وحملت لوثة المكان وثقل جماله، لكن كيف سيحدث ذلك؟

قريب لها، ينتزع منها آخر ما يربطها بالشام، الجمال. تصف أولى الشخصيات التي وعتها، والديها، ثم أفراد العائلة بأنماط حياتهم المختلفة وتجاربهم العابقة بالجنون والانكسارات، إلا أنها تصل بعد هذا إلى كآبة وحزن في مكابراتها لفهم العبث الارستقراطي في مصير الأبناء وأحلامهم، وتجمع أصواتهم لتنقّي صوتها وتعرف من هي.

عاشت “ياسمينا” الثورة السورية وزمنها، وكانت قبل ذلك ترسم طريقها في شغف الكتابة والأدب. لسنوات، تلمّست جسد الحب في مطاردة حبيب هارب من أجهزة المخابرات التي سوف تسلمهم إياه في ظروف قاسية. كانت تكتب وتنتج سينما وتلفزيون، وتحاول البحث عن ذاتها لكن صورة المدينة الأخيرة بات رعباً حقيقياً يحيط خيالها في أحلك لحظات رحيلها “رعب الصورة، الموات المثبت في البال، هو صمت الأمكنة الذي يقودك للجنون” (ص13).

تبني الكاتبة الكثير من سردها على حكايات العائلة، وطريقة عيشهم وأسلوب تناقلهم لوله الواجهة الاجتماعية، وكيف سيبدو اسم العائلة أمام الناس. تتهكم من كل ذلك وتأخذ روح شخوصها لتتماهى وإياها في استحضار يشبه المرثية على خطى الندم، لكنها تغرق أكثر في قراءة ألم والدها الذي ورثته، وهو حبّ تلك المدينة، إذ تصطاد في غرامه القديم لأمها، هذه الصورة لابن القرية المسحور بالعاصمة “ولأنك باهت ومكشوف وجدت البديل امرأة لبست هي وجه الشام وكانته، وأنت وجدت ما يبهرك أيقونة تعتنقها وكانت هي مارلا” (ص 34)، هناك في حارة الزيتون، الشاميّة، تركت “ياسمينا” بيتها، وكانت كلما استحضرت جثة أبيها كحكاية، حضرت مارلا التي عادت فقط كي تموت هنا في بيت تعرفه بعد ما أصيبت بالسرطان. وكأن الكاتبة هنا تسقط، على نحو ما، سيرة الهجرة الكبيرة والشتات ورغبات الناس بالعودة، ولو كجثث، إلى بيوتهم ليدفنوا فيها حتى لو كان قاتل الأب، بالمعنى الجمعي- الوطن، ابناً للعائلة، إلا أن أشياء كثيرة قبل ذلك كانت قد اغتيلت من صوت المدينة التي ابتذلت بقطاع الطرق وبالحيارى وأصحاب الأحلام إلى المنهكين بالفقر والضلال وبالعاجزين وضاربي المندل وكاشفي الحجاب. و”ياسمينا” كانت صغيرة حينها، وعندما تكبر سوف تصبح قاتلة، في مدينة تصفّر بأصوات القتلة أمثالها، وسيكون من المؤلم أن تتذكر ذلك كله، لكنها تتذكر، ألم نقل إنه حنين قاتل وصاحبته موسومة بحياة سابقة لن ينهيها الموت.

حكايات تنهال علينا في هذه الرواية من دمشق، بشدّة، ونعيش ولهها ويومياتها بهمس شعري موجوع، وحكايات أخرى تنقلنا إليها “ياسمينا” في بيروت المزدحمة بالنور والحرية والتي ستضيق على بطلة الرواية. وتستحضر هنا الكاتبة ما سمّته “الملهاة السورية” وكيف عاش جيل الهاربين من المأساة هناك، في مدينة مغموسة في واقعهم إلى حد التجمد “لم تعد بيروت مسرحاً للحكايات أصبحت هي الحكاية وملّت الرواة” (ص 55)، فالمدن المرهقة تلفظك كمرارة الفم ولا تتحملك لأنك وجعها وصورتك في وجدانها تغتصب جمالها بأسمالك، على حد وصف الكاتبة.

في دبي، تطارد البطلة قدراً يجمعها مع محطات تلفزيونية وممثلين وشركات انتاج، بانتظار حياة بسيطة من دون تفاصيل وذكريات عن وطن مغتال وقريب سرق بيتها ونفاها خارج كل الأمكنة، أو أمّ ميتة وأب مقتول وحبيب ربما مات تحت التعذيب. هكذا تلخص الكاتبة انتقال شخصيتها الرئيسية في هذه الرواية إلى “مدينة تمارس فيها انسانيتك على عجل” (ص 59)، ما يدفعها للعودة إلى الشام مجدداً لأن أحداً لم يرغب بمشاركتها حتى لو بإنتاج “فيلم ديني”. بددت النقود ومرّت في الطريق إلى بيروت إلى بيت أهل أمها لإقناع قريبها ببيع حصتها بالبيت بعدما تعرفت على رعب جديد اسمه “الفقر”، لكن القريب نفر من تهديداتها وطردها بعدما تهجمت عليه، فعادت إلى بيت الضيعة بحثاً عن أبيها للمرة الأخيرة.

لا تنتهي التقلبات في المشاعر تجاه الشخصيات التي ترويها “ياسمينا”، حتى لكأننا نشعر أن الكاتبة والبطلة لهما الوجه ذاته تقريباً. فثمة تفاصيل من طبيعة عمل عبير اسبر، مذكورة هنا بشكل مباشر، مثل انتقالها للعيش في مونتريال أخيراً والعمل سابقاً على الإنتاج التلفزيوني والسينمائي والكتابة، وحتى تفصيل سكنها في حي الطلياني بدمشق، كانت تجربة حقيقية من واقعها. إلا أن تلك المهارة في تجسيد خيالي لامرأة، من محاكاة لقصصها الحياتية، وأخرى من محيط سردي مشوش واقعي- خيالي في آن، هي هوية التعريف بأدب اسبر كما فعلت في أعمال روائية سابقة لها، أي “قصقص ورق” و”منازل الغياب”.

الحديث في نهاية “سقوط حر” سيكون عن أجواء الحياة في كندا، تحديداً في مدينة الكاتبة الحالية، مونتريال التي جاءته لاجئة إلى “المنافي السعيدة” إلى مكان يبتسم فيه حتى التعساء ويغرقونك باللطف فتخاف. لقدت وصلت “ياسمينا” إلى هناك مكسورة القلب، خاسرة، تخاطب والدها “أبي الصغير، لم يخدعنا عبد الناصر هذه المرة فهزيمتنا لم تكن نكسة، كانت الخديعة أكبر من شخص وأبعد من بلاد، منذ تلك الثورة ونحن نكتة العالم المتحضّر، وعيي بالفجيعة كان أثقل من جثة أب وحبيب معتقل وأم مقتولة” (ص 101)، وصلت وهي في الثانية والأربعين كان عندها بلاد وقد اختفت.

تملك الرواية أبعاداً جمالية في بناء الجمل القصيرة والسرد، في مناخ عاصف بالتحول على مستوى اللغة والتوصيف والاحاطة بالوجوه والتقاط الانفعالات ومقاربتها بخفة راقصة باليه على تخوم الخراب الروحي. إضافة إلى أن جغرافيا الأمكنة تشكل محاوراً أساسية لاستنطاق الذاكرة، إذ تشهد البيوت والشوارع والزوايا على حياة “ياسمينا” المأخوذة بخليط صراخها ضد الألم وضد الأهل وضد من لايزالون يؤلمون الشام.

(*) صدرت عن “دار هاشيت- نوفل 2019.