أخبار عاجلة
الرئيسية » منوعات » البازارات التراثية الإيرانية.. تجارة بوجه العقوبات وأشياء أخرى

البازارات التراثية الإيرانية.. تجارة بوجه العقوبات وأشياء أخرى

تلعب الأسواق التراثية في إيران دورا كبيرا في حياة المواطنين، فهي تشكل مجموعة من الأنسجة البشرية المتشابكة التي تنعكس على العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تواجه تحديات عدة.

محمد رحمن بور-طهران

تتمتع إيران -بفضل موقعها الجغرافي وعبور طريق الحرير منها ومنافذها البحرية شمالا (بحر قزوين) وجنوبا (الخليج)، بالإضافة إلى حدودها البرية والبحرية مع 12 دولة- بدور كبير على الصعيد التجاري في المنطقة منذ القدم حتى الآن.

ولعل انتشار الأسواق التراثية القديمة في كافة أنحاء إيران حتى يومنا هذا، أضفى رونقا على التجارة في مختلف المناطق الإيرانية، ولا سيما أنها مستمرة في عملها التجاري حتى الآن، رغم عبورها العديد من الأزمات والمحن الاقتصادية حتى هذه اللحظة.

البازارات في إيران
دخلت الكثير من هذه الأسواق إلى قائمة التراث الوطني الإيراني وكذلك قائمة التراث العالمي باليونسكو، ومن أشهرها بازار تبريز (شمال غرب إيران)، وهو أكبر سوق تاريخي مسقوف في العالم، بالإضافة إلى بازار أصفهان وكاشان (وسط إيران)، وبازار وكيل شيراز (جنوب)، وبازار كرمانشاه (غرب)، وبازار طهران الكبير، وكذلك بازار قزوين شمالا.

ويقول المسؤول التقني في الإدارة العامة للتراث الثقافي بمحافظة “فارس” سيامك بصيري -في حديثه للجزيرة نت- إن الأسواق التاريخية في المدن الإيرانية هي العمود الفقري والقطب الاقتصادي للمدينة، كما يفضلها الناس على الأسواق الحديثة لأسباب عدة.

خدماتها
وبالإضافة إلى البيع والشراء، اهتم القدامى بتوفير خدمات إضافية ذات معايير عالية لراحة الزبائن والمارة، من حيث توفير أماكن للجلوس ومطاعم ومساجد ومدارس ونزلا لإقامة المسافرين.

وبمقارنة سريعة مع الأسواق الحديثة، فإن أسواقنا اليوم تدور فقط في فلك التجارة بينما تفتقر لمثل هذه المعايير الرفيعة.

كما أن حيوية الأسواق ووجودها في المناطق النشطة من المدينة، كثف من حركة المرور فيها للعبور إلى بقية المناطق، كما أن هندسة الأسواق المعمارية الفريدة التي تتمتع بها أثرت على إقبال الناس إليها من كل صوب بهدف رؤيتها.

تجاوز العقوبات الأميركية
ويضيف بصيري أن الأسواق التراثية في إيران تقدم كل ما تحتاجه العائلة -من ملابس ومأكولات وأوان ومجوهرات وتحف يدوية- بأسعار مدروسة، وذلك لعدم تأثرها كثيرا بالعقوبات لأن بضاعتها تصنع محليا ولا تعتمد على الاستيراد من الخارج.

ولم يقتصر دور الأسواق القديمة في إيران على التجارة فقط، بل كان مكانا لسماع الأخبار والتحدث في أمور الحياة ومسائل المجتمع، حتى أن العديد من التطورات السياسية والاجتماعية المهمة بدأت في السوق وامتدت إلى بقية المجتمع.

وبالرغم من الإمكانيات الكبيرة التي تتمتع بها البازارات في إيران وتأثيرها الإيجابي على المجتمع والثقافة والاقتصاد ومواجهتها لأزمات البلاد خاصة العقوبات الاقتصادية، فإن هنالك مخاوف بشأن دور هذه الأسواق واستمراريتها وسبل إنعاشها في المستقبل.

التنسيق البيئي
وأشار عالم الاقتصاد الدكتور أحمد رسولي -في حديثه للجزيرة نت- إلى تناسب كل سوق حول العالم مع ثقافة وبيئة مجتمعه، فمثلا يتلاءم الإطار والنمط سلوكي لدى الشعب الإيراني مع الأسواق القديمة بسبب ثقافتهم وتبادل الثقة بين الزبون والبائع، وكذلك فإن جودة البضائع وأسعارها المنخفضة لاقت إقبالا كبيرا ومستمرا على عكس الأسواق الحديثة.

وأشار رسولي إلى أنه بالرغم من عدم تأثر هذه الأسواق بالعقوبات الاقتصادية كثيرا، لاعتمادها على الصناعة المحلية، فإن النمو السريع للمدنية والتضخم المرتفع إضافة إلى الفساد وارتفاع عدد الوسطاء، يهدد دور هذه الأسواق مستقبلا.

وأضاف أن الاقتصاد الإيراني يعاني من سوء استخدام نفوذ الدولة، وكذلك الاستيراد غير النظامي وتكاثر الوسطاء الذين يؤثرون على تغريب أصحاب المحال القدامى الموجودين في هذه الأسواق، وكذلك عدم ثقة الناس بالدولة وبالتالي فقدان رأس المال الاجتماعي، وهو العنصر المهم في إنعاش هذه الأسواق.

الرأس المال الاجتماعي
رأس المال الاجتماعي يلعب دورا مهما في إنجاز مشاريع الدولة، وبالتالي فإن فقدانه سيحدث تبعات سلبية على كافة المجالات خاصة في الاقتصاد ومواجهة أزماته.

وتشير دراسات قام بها قسم التخطيط العمراني في جامعة تربيت مدرس في طهران، إلى أن ثمة رابطا مباشرا بين رأس المال الاجتماعي وإنعاش اقتصاد الأسواق القديمة في إيران، وذلك بفضل العلاقات ومناخ الثقة والاعتماد بين الزبائن والبائعين في البازار.

وللأسواق التراثية في إيران دور كبير في حياة المواطنين، فهي تشكل مجموعة من الأنسجة البشرية المتشابكة التي تنعكس على العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تواجه تحديات عدة، وتتطلب تخطيطا طويل المدى من قبل المسؤولين، بالإضافة إلى ضرورة حفظ رأس المال الاجتماعي لحفظ دورها الإيجابي على كافة المستويات مستقبلا.
المصدر : الجزيرة

المصدر: الجزيرة نت