أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون المهاجرين » صقيع النزوح السوري… في انتظار خيمة قد لا تأتي : تحقيق سعاد خبية

صقيع النزوح السوري… في انتظار خيمة قد لا تأتي : تحقيق سعاد خبية

هربت النازحة السورية رباب ناجي، من بلدة الأتارب الواقعة شمال غربي سورية، مع عائلتها بملابسهم من دون أي شيء آخر، بعد قصف منزلهم في مدينة إدلب في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي، وبمساعدة أصدقاء العائلة، تمكنت من استئجار منزل غير مكتمل البناء، عبارة عن غرفتين، من دون مرافق أو مياه أو صرف صحي، في مقابل إيجار شهري يبلغ 100 دولار أميركي، بعدما دفعت 600 دولار، للمقدم والتأمين قبل أن تطأ المنزل مع عائلتها.

لم تجد العائلة حلاً آخر، إذ كانت “تبحث عن سقف يؤويها لا غير”، كما تقول رباب لـ”العربي الجديد”، بينما توضح كيف استخدمت “النايلون” لتغطية الحفر والثقوب في الجدران، ولكن الصقيع كاد أن يفتك بها وبأطفالها الثلاثة، قبل أن يشاركهم المنزل عائلة ذويها المؤلفة من تسعة أفراد، بينهم أربعة أطفال، نزحوا إلى إدلب أيضاً، ولم يتمكنوا من الحصول على مأوى فاضطروا للسكن معهم، بانتظار “خيمة قد لا تأتي”.

وتجاوز عدد الفارين من شمال غربي سورية جراء استمرار الحملة العسكرية التي ينفذها جيش النظام السوري بدعم جوي روسي، 900 ألف مدني نزحوا منذ الأول من ديسمبر/كانون الأول عام 2019، وفق إحصائيات الأمم المتحدة المنشورة على موقعها الإلكتروني في الثامن عشر من فبراير/شباط 2020. وهنا يشير فؤاد سيد عيسى، الناشط والمنسق بمنظمة بنفسج الإغاثية، والتي تعمل على إدارة المخيمات في الداخل السوري، إلى أن العدد تجاوز عتبة المليون وخمسين ألفا وفق إحصاءاتهم كما يقول لـ”العربي الجديد”.

مخيمات عشوائية

تتركز تجمعات النازحين الجديدة، بحسب عيسى، في مناطق الدانا وسرمدا شمال إدلب، وفي منطقة إعزاز والباب وعفرين في ريف حلب، بالإضافة إلى منطقة دارة عزة، قبل أن يتم قصفها.

وبلغ عدد المخيمات العشوائية داخل سورية 348 مخيماً، يقطن فيها 35633 عائلة، تضم 63579 امرأة، و67213 طفلاً، وفقاً لمسح أجرته منظمة “منسقو استجابة سورية”، الإغاثية، وتعاني المخيمات من اكتظاظ هائل، كما تقول الناشطة السورية والتي تعمل على جمع المساعدات للنازحين إيمان داراني، المقيمة في سرمدا بإدلب عقب نزوحها من داريا الواقعة في ريف دمشق.

وبنيت غالبية تلك المخيمات على أسس غير سليمة، من دون الانتباه لبعدها عن مراكز المدن، أو ضرورة تسوية الأرض قبل وضع الخيام ورفعها قليلاً، ما يتسبب بكثير من المشاكل كغرقها أو غمرها بمياه الأمطار والسيول، وفقاً لعيسى، الذي يشير إلى أن معظم الخيام في تلك المخيمات لم تأت عبر منظمات دولية، بل صناعة محلية وغير مطابقة للمواصفات، إذ صنعت من قماش عادي لا ترد البرد ولا المطر، وتسببت بوفاة عشرة أطفال من البرد مطلع فبراير 2020، فيما سجلت حوادث احتراق أكثر من خيمة بسبب قابليتها للاشتعال، وأدت لإصابات وسط قاطنيها في الفترة ذاتها أيضاً، لكن لا إحصائيات موثقة بشأنها كما يقول.

وتنتشر آلاف العائلات على طول الطريق الدولي الواصل بين إدلب ومعبر باب الهوى على الحدود السورية التركية، ينتظرون مكاناً آمناً ودافئاً، وفق ما وثقته معدة التحقيق عبر إفادات النازحين، ومنهم الأربعينية صفية راشد، التي نزحت من خان طومان بحلب إلى عفرين في المحافظة ذاتها، في التاسع عشر من فبراير الجاري، وما زالت تفترش مع طفلاتها الثلاث مدخل أحد الأبنية، لأنها لم تجد مأوى لها، قائلة لـ”العربي الجديد”: “قطعت وبناتي رحلة صعبة جداً، وكان لدينا الأمل في أن نجد سقفاً يؤوينا، لكن لم نجد سوى الرصيف، الجيران أمدونا ببعض الأدوات والأغطية”.

ظروف قاسية

يشكل النساء والأطفال 80% من النازحين، وفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة، يونيسف، ويقيمون في مخيمات عشوائية ومراكز إيواء جماعية، وفي مبان غير مكتملة، يحيطونها بأغطية بلاستيكية أو قطع من القماش لا تقيهم البرد القارس والصقيع، ولا تمنع دخول الأمطار ومياه السيول إليهم، بينما يعجزون عن توفير أبسط مستلزمات التدفئة والعيش، وفقاً لإفادات 25 عائلة.

ومنذ اشتداد الحملة العسكرية في 16 يناير الماضي، تتزايد أعداد النازحين يومياً ويبلغ عدد الأطفال الذين نزحوا مع عوائلهم نصف مليون طفل وفق تقرير يونيسيف الصادر في يناير الماضي، أما النساء النازحات، فبلغ عددهنّ 223.841 امرأة، بينما بلغ عدد الذكور 195.859 رجلا، وذلك في الفترة الممتدة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وحتى 18 فبراير/ شباط 2020، بحسب منظمة “منسقو استجابة سورية”، وتمتلئ المدارس والمساجد والمباني قيد الإنشاء، وحتى المحال التجارية والمستودعات ومزارع الزيتون، بأعداد كبيرة من النازحين الذين يجابهون برودة الطقس ونقص الطعام والماء، وظروفاً معيشية قاسية وفق ما يؤكده النازحون.

وتصف سلمى عباس، عضو الاتحاد النسائي في سراقب، (مؤسسة نسوية مستقلة)، النزوح الجماعي للمدنيين بأنه مشهد من يوم “القيامة”، مؤكدة في حديثها لـ”العربي الجديد”، أن العدد الضخم من النازحين يقابله ندرة في أماكن الإقامة، ورفع الإيجارات بسبب الجشع، وغياب مواد التدفئة في ظل الاستجابة الضعيفة للمنظمات الدولية، وهو متسبب في أن كثيراً من النازحين ينامون منذ أسابيع في البرد القارس، وداخل سيارات مفتوحة مغطاة بالبلاستيك، لأنهم لم يتمكنوا من استئجار منزل أو الحصول على خيمة، وهو ما عانى منه الستيني السوري عبد القادر أبو النور في خان شيخون بعدما طرده وعائلته المكونة من 15 فرداً مالك البيت، بعد رفضهم مضاعفة إيجار المنزل، وتابع لـ”العربي الجديد”: “إيجارات المنازل تضاعفت مع موجة النزوح الجديدة، وتتراوح ما بين 150-300 دولار، ما يجبر النازحين على البقاء في العراء، لعدم قدرتهم على الدفع”.

وتقيم 11 ألف عائلة تحت أشجار الزيتون، أي ما معدله 119.206 أشخاص وفق ما كشفته دراسة داخلية مشتركة أعدتها منظمة بنفسج للإغاثة والتنمية بالتعاون مع الأمم المتحدة في يناير 2020، ويضع هؤلاء عوازل بلاستيكية تحت الأشجار لتغدو على شكل خيمة، وهذا ما تؤكده سلمى عباس التي رصدت لدى عبورها الطريق من إدلب باتجاه منطقة الباب، مئات النازحين ينامون فوق سكة القطار من دون خيام.

مساعدات غير كافية

بلغ مستوى العجز في تأمين المأوى للنازحين الجدد ما نسبته 97% وفق توثيق منظمة “منسقو استجابة سورية” المنشور على صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، في السابع عشر من فبراير الجاري، فيما بلغ عجز قطاع المواد الغذائية 94%، وسُجل عجز بنسبة 89% في المواد غير الغذائية، وبلغ في قطاع الصحة 92%، أما التعليم 90%.

ويحصل هؤلاء النازحون على مساعدات محدودة، ولم تتمكن المنظمات من مساعدتهم بسبب عددهم الضخم، كما يقول الناشط عيسى، والذي يرى أن استجابة الأمم المتحدة ضعيفة، مبيناً أن منظمة بنفسج أقامت 17 مركز إيواء جماعي في إدلب وسرمدا ودارة عزة، ضمت 15 ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال.

واقع مترد تؤكده المفوضية العليا لشؤون اللاجئين على لسان المتحدث باسمها، أندريه ماهيسيتش، في تصريحات صحافية نشرها موقع الأمم المتحدة في الحادي عشر من فبراير 2020، إذ تكثف المفوضية الجهود للوصول إلى المحتاجين كجزء من استجابتها، ومع ذلك فإن هذا لن يلبي سوى جزء صغير من إجمالي الاحتياجات، لأن النزوح الأخير قد فاق القدرة على الاستجابة، وهناك حاجة ماسة إلى المزيد من الموارد والتمويل.

ويعاني آلاف النازحين من رفض المنظمات تسجيلهم بسبب فقدان أوراقهم الثبوتية، وترى عباس أن هذه ضغوط غير مبررة تزيد العبء على النازحين، ومن المعروف أن كثيرا منهم دمرت بيوتهم، واحترقت بالقصف، ومنهم من فقد أوراقه أثناء النزوح، ما يحرمهم من ضمان مساعدات أساسية تحفظ حياتهم.

الأزمة الصحية تتفاقم

ترهق الأزمات المادية والصحية والنفسية كاهل النساء في مخيمات النزوح، وأكثرهنّ من الأرامل المعيلات، ممن وجدن أنفسهن وحيدات مع أطفالهن في العراء، من دون مأوى أو تدفئة أو مصدر للدخل، كما توضح المشرفة في هيئة الإغاثة الإنسانية في إدلب، صابرين علوش، والتي تعيش ذات الضغط النفسي من خلال معايشتها لمعاناة السيدات النازحات بشكل يومي، إذ تتولى وفريقها المتخصص بدعم النساء والأطفال توزيع ألف سلة من المعونات يومياً، مشيرة إلى أن تلك النسوة أجبرن على القيام بمهام كبيرة تشمل تثبيت وصيانة الخيمة بشكل دائم، وتأمين المياه ومواد التدفئة والطعام، وحماية الأطفال والفتيات، وخاصة عندما تفاقمت الأزمة خلال الشهرين الأخيرين.

وتسببت موجة البرد الشديد التي ترافقت مع النزوح بسبب العمليات العسكرية بأمراض عديدة للنازحين وخاصة الصدرية منها، وكان الأطفال الأكثر تأثراً، ودفع عشرة منهم حياته جراء النوم في العراء، وفقاً لطبيبة الأطفال في منطقة الباب في ريف حلب، هدى حيلاني، والتي قالت إن الأوضاع الصعبة للنازحين جعلتهم يلجأون للتدفئة على الفحم الحجري، والذي يتسبب بالتهاب رئوي حاد، كما تصدر رائحة كريهة تسبب حالات حساسية شديدة تصل إلى الربو التحسسي.

وهذا ما حدث لأطفال النازحة انتصار إبراهيم الأربعة، والذين يعانون من أمراض تنفسية وسعال شديد، وسلس بولي منذ نزوحهم من معرة النعمان، وإقامتهم مع خمس عائلات أخرى في مستودع في عفرين.

وأصيب طفلا النازحة ولاء هاشم عدة مرات بالتهاب الأمعاء والإسهالات، بسبب المياه غير النظيفة التي يضطرون لشربها مع عدم وجود بدائل في مخيم أطمة الذي يعد من أكبر مخيمات النازحين في الشمال السوري، قائلة لـ”العربي الجديد”، إنها لم تستطع حتى الآن معالجة أطفالها.

وفي إدلب، توقفت 52 منشأة طبية منذ إبريل/نيسان عام 2019، بسبب الاستهداف المباشر وسوء الأوضاع الأمنية، كما يوضح مدير صحة إدلب الدكتور منذر خليل، مبيناً في إفادته لـ”العربي الجديد” أن أكثر من مليون و300 ألف مدني، حسب إحصاءاتهم الرسمية، نزحوا بشكل جماعي، ويعيشون في ظروف سيئة جداً، من دون مياه صالحة للشرب وبلا طعام كاف، ما تسبب في ارتفاع أعداد المصابين بالأمراض المنقولة، بالإضافة للأمراض الناتجة عن التعرض للبرد، لافتا إلى أن 70 منشأة طبية في إدلب تحتاج مساعدات عاجلة لمواجهة هذا العدد الضخم من المقيمين الجدد، والدواء غير متوفر مع إصابتهم جميعاً بنزلات البرد.

بدائل مضنية للنازحين

يشكل الحصول على المياه أزمة كبيرة بالنسبة للنازحين في إدلب وحلب، إذ تبلغ تكلفة تعبئة خزان المياه 2400 ليرة سورية، أي ما يعادل 5.52 دولارات، ولا يكفي الخزان سوى يوم أو اثنين، كما يوضح النازح الثلاثيني رشاد حمدو، المقيم في إدلب، قائلاً إنه لا يمتلك المال للحصول على ما يحتاجه وعائلته من المياه يومياً، ما يجبره على الاكتفاء بـ”غالون” واحد، يحصل عليه بشق الأنفس من بائع الماء المتجول، وهو ما يترك آثاراً سلبية جداً على صحتهم، كما يقول.

أما التدفئة، فتحولت إلى هاجس يؤرق النازحين الذين يعيشون في الصقيع، وخاصة بعد توقف توزيع مادة البيرين (فضلات بذور الزيتون بعد عصره)، والتي كانوا يعتمدون عليها للتدفئة، ما دفع كثيرا من النازحات في المخيمات إلى صعود الجبال القريبة، والبحث في الأحراش للحصول على الحطب لتوفير التدفئة لأطفالهن، وهذا يعرضهن غالباً لخطر إطلاق الرصاص عليهن كون هذه المناطق عسكرية، وفقاً لمصادر التحقيق.

وتتشارك آلاف العائلات النازحة بعدد محدود من المراحيض المتاحة ضمن مراكز الإيواء الجماعي، إذ تجد طوابير النازحين منتظرين فرصة الدخول إلى هذه المرافق، أما في المخيمات العشوائية، فيضطر النازحون لاستخدام الخلاء المكشوف لقضاء حوائجهم، وهو ما يخلق معاناة خاصة للنساء، كما تقول دلال بنش، نازحة من جبل الزاوية، وتقيم حالياً في سلقين بإدلب، وتعمل منسقة لمنظمة زمردة، التي تعمل على تأمين مساكن للنازحين.