أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » ماذا بعد جمال إسطنبول ؟ تكتبها كاتيا يوسف

ماذا بعد جمال إسطنبول ؟ تكتبها كاتيا يوسف

حادثتان منفصلتان يرويهما رجلان..
.
زيارة إسطنبول تشعرك بالألفة. إحساس ربّما ترسّخ منذ زمن الإمبراطورية العثمانية، فأخذ منّا وترك لنا بصمة لا تنتسى. جمال إسطنبول أشبه بفاتنة تغدر بك، وما إن تبتسم لك مجدّداً حتى تنسى جرحها وترتمي بين أحضانها مطمئناً. وكأي زائر غريب لهذه المدينة، قصدت الشارع عند الصباح الباكر مع صديقي. كنت أريد تجربة الحمام تركي، قابلنا شاب يتحدّث العربية وعرض علينا مرافقتنا.كانت مأساة الليلة الماضية لا تزال عالقة في ذهنينا. وما حدث باختصار: نصحنا سائق تاكسي بمكان نحتسي فيه مشروبات، قبل كل شيء تأكّدت من لائحة الأسعار وبدت معقولة. تناولت وصديقي بضع كؤوس من المشروبات وطلبنا الحساب. جاءت الفاتورة أعلى بكثير ممّا توقعنا. أمسكت لائحة الأسعار لأثبت الخطأ في الحساب، فلاحظت أنّها قد استبدلت. وبعد جدل عقيم أرغمنا على دفع المبلغ مع تخفيض بسيط.

الجميل أنّني كنت في غاية الحذر في اليوم التالي، أوضحت للشاب أنّني لا أريد أي شيء سوى الحمّام التركي، لا مشروب ولا فتيات، أخبرته أنّ أياً منّا لا يملك المال لدفع مبالغ باهظة. كان يبتسم وطمأنني أنّ ثمن الحمّام التركي خمسون ليرة فقط.

مشيت معه بحماس للتعرّف إلى هذا الحمّام الشهير، انتبهت إلى أنّنا نسير باتجاه المبنى الذي كنت كلّما مررت به أشعر بالتوجّس. انتابتني شكوك، تجاهلتها. صعدنا طوابق. دخلنا صالة كبيرة، وهمّ الشاب بالرحيل.

قلت له: “توقّف أين الحمّام التركي؟”.

فردّ بابتسامة: “لا تقلق، سيأتي شخص لمرافقتكما. انتظرا هنا”.

رحل. وجلسنا إلى طاولة، وقبل أن نسترجع أنفاسنا من صعود السلالم، جلست بالقرب منّا فتاتان وفتحتا أربع زجاجات “شمبانيا صغيرة”. قفزت كالمجنون من مقعدي، وصرخت بهما: “لا نريد الشمبانيا”، نظرتا إلينا ببرود، وحاولتا تهدئتنا. كان جرح الليلة الماضية لا يزال يؤلمنا، هممنا بمغادرة المكان.

جاء المدير وموظفون. طلبوا منّا أن نستمتع. خاطبونا بلطف، إلى أن لاحظوا تصميمنا على الرحيل. بدأت نبرتهم تختلف. توجّهنا نحو الباب. فأمسكوا بنا بقوّة ودفعونا إلى الحائط، فتّشوا جيوبنا وأخذوا من كل واحد منّا 200 ليرة تركية. تاركين في جيبي مائة ليرة فقط.

لم أكن لأسمح بتكرار ما حدث معي يوم أمس. أردت الانتقام. خرجت مباشرة إلى مركز الشرطة وأبلغت عن الحادثة، فرافقنا عدد من رجال الأمن إلى المبنى. هناك صرخوا بالموجودين في المكان للاصطفاف إلى الحائط. بدا الخوف على وجه مدير المحل وراح يغمزني للاقتراب منه. استجبت له. فقال: “أعطيك ألف ليرة إن تنازلت عن القضية”، أجبته بسخرية: “سعادتي أن أراك في هذا الموقف”.

كان موقف الشرطة مشرّفاً، ألقت القبض على الفتاتين اللتين جلستا إلى جانبنا والرجال الذين أخذوا مالنا.

وأنا أيضاً صارت معي حادثة مشابهة، مع اختلاف بسيط.
بينما كنت أتجوّل مع ثلاثة أصدقاء في شارع الاستقلال، ونستمتع بروعة هذه المدينة التي لا تهدأ، استوقفنا شخص. عرض علينا في البداية جولات سياحية، لكن ما إن لمس عدم اهتمامنا، قدّم لنا عروضاً أخرى لحفلات ساهرة. في النهاية أقنعنا بحضور حفلة ساهرة، على الرغم من تحذيرنا من الوقوع ضحية أمثاله ممّن يستغلّون جهل السيّاح بالمكان.

انطلقنا جميعاً بسيارته إلى مكان يبعد حوالي نصف ساعة. عند دخولنا إلى الحفل، شعرنا على الفور بالارتياب، لكنّنا تريثنا وجلسنا إلى طاولة. مكثنا هناك حائرين، لما يقارب العشر دقائق. كان الجوّ مريباً. وكنّا ننظر إلى بعضنا البعض كأنّنا نرجو من أي منّا أن ينطق بكلمات، تطمئننا أو تؤكّد قلقنا، فنقرّر البقاء من عدمه.

نظراتنا التائهة كانت كافية لنغادر. تلفّتنا حولنا بحثاً عن الشخص الذي أحضرنا، فلم نجده. وقفنا نسعى للهروب من هذا الفخ قبل أن يكتشف أمرنا أحد. ما لم ندركه هو أنّنا كنا مراقبين. وفي ثوانٍ أحاطت بنا مجموعة من الشباب. بدا التوتر واضحاً على ملامحنا.

– قال أحدهم: “ادفعوا الحساب قبل أن تخرجوا”، أجبناه: “لم نطلب أي شيء على الإطلاق. وصلنا منذ دقائق فقط”.
– “إن الجلوس إلى الطاولة يكلف ألف دولار أميركي”. قال الرّجل.

وقعنا ضحية خداع ذلك الشخص الذي اختفى كشبح، ودخلنا في نقاش ومحاولات يائسة، للخلاص من هذه العصابة. علا صوتنا وتوعّدنا بإبلاغ الشرطة. لم يكترثوا إلى تهديداتنا، ولم يمانعوا في التبليغ عنهم. هدأنا قليلاً بانتظار وصول الشرطة لتنقذنا من هذه المهزلة.

والمفاجأة الكبرى التي لم تكن في الحسبان، ظهرت مع وصول الشرطة، التي بدل أن تنصفنا، طلبت منّا دفع المبلغ وإلّا تعرّضنا لعواقب نحن في غنى عنها. بذلنا جهداً في محاولة شرح الموقف للشرطة. كانت كلماتنا تقع على آذان صمّاء. وفي النهاية اضطررنا إلى دفع نصف المبلغ المطلوب (500 دولار أميركي).