أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » الأسباب البعيدة والقريبة لثورة آذار 2011 : بمناسبة الذكرى التاسعة للثورة السورية المجيدة

الأسباب البعيدة والقريبة لثورة آذار 2011 : بمناسبة الذكرى التاسعة للثورة السورية المجيدة

موضوعات  عامة حول ثورة آذار 2011 السورية

ديتسمبر 2014

الدكتور محمد أحمد الزعبي

15.03.2020         ( بمناسبة الذكرى التاسعة للثورة السورية المجيدة )

أولاً ، مدخل منهجي :

1) إشكالية الموضوعية في البحث العلمي ،

كنا نود أن نتجنب الدخول في الطرق الإلتفافية الميثودولوجية ( المنهجية ) وصولا إلى أهداف هذه  الرؤية ، بيد أننا لم نجد مناصا من التوقف عند بعض القضايا المنهجية التي يمكن أن تساهم في إيضاح هذه  الأهداف  وفي هذا الظرف بالذات .

تعتبر مسألة الموضوعية من أبرز المشكلات التي تواجه الباحث في محاولته فهم وتحليل الظواهر الاجتماعية ،

ولا سيما عندما يتعلق الأمر بظواهر واحداث لم  تكتمل فصولها بعد ، كما هي حال الموضوع الذي نحن بصدده.

ويتمثل البعد الإشكالي هنا في عملية التلازم والتداخل بين مقولتي الموضوعية والأيديولوجيا من جهة ، وبين مقولتي الوعي الفردي والوعي الاجتماعي من جهة أخرى  حيث جعل مثل هذا التلازم والتداخل من الصعوبة بمكان أن يستطيع الباحث الأمين  الجمع بين متطلبات الموضوعية في البحث والتحليل ، وبين كونه نفسه جزءاً من المشهد الاجتماعي الذي يقوم ببحثه وتحليله . إن المخرج المتاح من هذا المأزق المنهجي هو بالإضافة إ لى ضرورة  الإلتزام الصارم  بقواعد المنهج العلمي المعروفة في البحوث الجادّة ، تفعيل البعد الأخلاقي والوجداني لدى  الباحث إلى مدياته القصوى ، بما يجعله على مسافة قريبة جداً من الحقيقة الموضوعية ، وهذا ماسيحاوله الكاتب  في هذه الدراسة .

لقد ساهم وصول حزب البعث العربي الإشتراكي ، ذي الطابع العلماني ( بمعنى الدين لله والوطن للجميع ) بعد وصوله إلى سدة الحكم في سورية والعراق عام 1953 ، بتقليص هذه الموضوعية ، وذلك من خلال  :

ــ  إيقاظ النعرات القومية والطائفية والقبلية داخل الحزب وفي المجتمع ولاسيما في سورية والعراق ،

ــ  شق الحزب إلى حزبين، واحد غلب عليه الطابع القومي ( العراق ) ، والآخرغلب عليه الطابع القطري  والطائفي ( سورية ) ،

ــ  خلق حالة من الطلاق المصطنع بين  العروبة والإسلام ، من جهة ،  و بين الديمقراطية والإشتراكية ، من جهة أخرى ،

ــ  هيمنة الجناح العسكري في الحزب على السلطة ، وتحويل الحزب إلى مؤسسة أمنية (الجيش العقائدي )  للحفاظ على النظام القائم ( نظام الحزب الواحد / القائد ) ،

ــ  خلق حالة من التطرف العقائدي ، التي تجسدت في قبول مقولة ” النخبة / الطليعة ” التي تمتلك  وحدها   الحقيقة ، والتي من حقها بالتالي ، التفرد بالسلطة وإقصاء الآخرين .

وبما أن التطرف ( اليميني منه واليساري ) عادة مايؤدي إلى العمى الأيديولوجي الذي يحول  دون قراءة الواقع الإجتماعي الملموس قراءة علمية  صحيحة ويحول بالتالي دون الوصول إلى الحقيقة،حتى في صورتها النسبية  فإن استبدال الاعتدال بالتطرف ( مابعد حرف الباء هو الذي يجب أن يستبدل) يغدو هو الطريق الأقصر والأسلم والأصح ، لتطبيق القانون السوسيولوجي الخلدوني الذي ينص على أن القانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة ، هو أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ، ونميّز مايلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه …” ( مقدمة ابن خلدون ، ط2 ، بيروت 1961 ،ص61/62 ) .

إن الكاتب لايستطيع أن يزعم أن مقالة أو دراسة محدودة يمكن أن تغطي متطلبات مثل هذا القانون الإجتماعي ،  فيما يخص الربيع العربي ، لاأفقيّاً ولا عموديّاً ، ولكنه سوف يحاول فيما سيورده من الآراء والوقائع لاحقاً ، أن يلتزم جادة الاعتدال والحياد ، وأن يدع بالتالي الظواهر تتحدث عن نفسها بنفسها ( موضوعيّاً ) ماأمكن .

2) المنهج الجدلي كمدخل إلى الموضوعية ،

المنهج هو الطريق الموصل إلى الهدف ، ومن الطبيعي أن يكون المنهج الصحيح هو المنهج الأقصر والأسلم والأقل تكلفة مادية ومعنوية ، وهو ماينطبق على المنهج الجدلي المرتبط باسماء كل من كانت ( ت 1804 ) وهيغل ( ت 1831 ) و ماركس ( ت 1883 ) الذي تبنى جدل هيغل ولكن

بعد أن أوقفه على قدميه بدلاً من رأسه . ويتلخص المنهج الجدلي الذي ستعتمده هذه الراسة على :

+ ثلاثية هيغل ( القضية ، نقيض القضية ، التركيب ) التي تقع في أساس الحوار بين الرأي والرأي  الآخر ، وبالتالي في أساس التغير الاجتماعي ، وبالتالي التطور والتقدم المتوازن . وخلال تعقب  الباحث لمضمون هذه الجدلية في اللغة العربية ، وجد أن “الحبل المجدول و الجديلة / الضفيرة “إنما  تنطوي تطبيقياً على جدل ثلاثة عناصر مع بعضها بعضاً لتعطي هذا الشيء الجديد والمتين ،

+ قوانين المنهج الجدلي الماركسي( قانون وحدة وصراع المتضادات ، قانون الانتقال من الكم إلى الكيف بالطفرة ، قانون النفي ونفي النفي ) ، والتي يستطيع الباحث بواسطتها ، فهم الظواهر الاجتماعية التي يدرسها ، فى سكونها وفي حركتها  . ونشير هنا إلى أن قانون ” وحدة وصراع  المتضادّات ” يتطابق إلى حد بعيد مع قوله تعالى” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت  الأرض” البقرة 125

+ المقولات الجدلية الثنائية المتضادة والمتداخلة والمتكاملة في آن واحد ، ولاسيما مقولات ( الذات والموضوع ، الفرد والمجتمع ، العام والخاص ،الشكل والمضمون ،النظرية والتجربة ،السبب والنتيجة ، المكان والزمان ، الماضي والحاضر  ، التراث والمعاصرة ، الأقلية والأكثرية ..الخ )  وهذا على سبيل المثال وليس الحصر ،

+ منهج الإحالة ، الذي يشير إلى إحالة الخاص إلى العام ، والجزئي إلى الكلّي ، والمهم إلى الأهم ، والفرع إلى الأصل ، والمؤقت إلى الدائم ، .. ( هذا المنهج هو من وضع الكاتب  ) ،

+ المسار التاريخي للظاهرة :  لماذا وكيف نشأت الظاهرة موضع الدراسة ؟  ، كيف تطورت إلى أن  وصلت إلى ماهي عليه إبّان الدراسة ؟ ،  ماهو مآلها المستقبلي المتوقع ؟ .

ثانياً ، الأسباب البعيدة والقريبة لثورة آذار 2011 في سورية  :
لابد من الإشارة بداية ، إلى أنني وفي إطار إعدادي لهذه الرؤية ، ، قد واجهت مع نفسي صعوبة منهجية ، تتعلق ، من جهة ، بعمومية وتداخل الموضوعات المتعلقة بهذه الرؤية ، ومن جهة أخرى ، بأنني قد سبق وكتبت ونشرت حول أزمة الثورة السورية ، التي لم تبدأ عملياً اليوم ، ولكنها بدأت منذ عام 2011 ، وبالتالي فإن ماسأقدمه هنا يمكن أن يتداخل ويتقاطع بعضه مع بعض ماسبق أن نشرناه ، وهو ما نعتبره أمراً طبيعياً .

  1. إن مقولة ” ليس من رأى كمن سمع ” المعروفة ، إنما تحيلنا عملياًّ إلى إشكالية الفارق الجوهري بين من يتلقى الضربات ، وبين من يحصيها فقط ، وهو مايدفعنا إلى القول : إنه لايمكن لمنظّر أن ” يفتي ” نيابة عن ممارس ، ولالشبعان نيابة عن جائع ، ولا لطفل يعيش في حضن أبويه نيابة عن أخر فقد عائلته ، ، ولا لمن لم تغتصب ابنته أو زوجته نيابة عن آخراغتصبت ابنته أو زوجته ، ولا لقاطن تحت سقف نيابة عن أخر يعيش تحت غيمة ماطرة ، مانعنيه هنا ، هو أنه علينا ألاّ نستغرب تردد سكان الخنادق ، في قبول فتاوى سكان الفنادق من الأفندية والمثقفين ، الأمر الذي يمكن أن ينطبق على مقالنا هذا أيضاً .
    2 .
    يتساءل البعض عن مدى صوابية توصيفنا للحراك الشعبي الذي أعقب حادثة البوعزيزي والذي بدأ بتونس ثم امتد إلى مصر وليبيا واليمن وسورية والعراق بـ ” ثورات الربيع العربي “، وهل الأصوب هو توصيفها بـ ” الانتفاضات ” بدل الثورات ؟ . إنه بالعودة إلى الجذر اللغوي لمفهوم كل من الثورة والانتفاضة في المراجع اللغوية ، لايقع المرء على كبير فرق بين هذين المفهومين بل إن هذه المراجع تفسر كل منهما بالآخر ، أو توردهما كمترادفين ، ولكن بعض المراجع السوسيولوجية أشارت إلى وجود فرقين أساسيين بينهما ، يتعلقان بدرجة شمولية مضمون كل منهما ، سواء أفقياً أو عموديّاً . إذ بينما تكون الانتفاضة محدودة ( الشعب يريد تصحيح المسار )، تكون الثورة ، من جهة ، شاملة لمعظم الفئات والطبقات الشعبية إن لم يكن كلها ، وتكون مطالبها ، من جهة أخرى ، جذرية وكلية ( الشعب يريد إسقاط النظام ) ، وبتعبير أخر ، فإن الانتفاضة تكتفي بالتغيير الكمّي ، في حين تهدف الثورة إلى التغيير

النوعي . وإذا ماطبقنا هذا المعيار على الحالة السورية ، فيمكننا القول ، أن الحراك الشعبي في سورية ضد نظام

عائلة الأسد الديكتاتوري عام 2011، قد بدأ كانتفضة ثم تطوّر إلى ثورة ,
3 . تقف وراء أية ظاهرة إجتماعية ( والثورة ظاهرة إجتماعية ) سلسلة سببية مترابطة ومتداخلة جدليّاً ، بحيث ينبثق فيها اللاحق عن السابق ، وعادة ماتكون هذه الأسباب متفاوتة الدور والأهمية ، ذلك أن بعضها قريب وبعضها بعيد ، بعضها جوهري وبعضها عرضي ، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر ، بعضها هام وبعضها أقل أهمية ، بعضها ظاهروبعضها مستتر ،…الخ ، وذلك حسب ظروف الزمان والمكان ، وبالتالي حسب الظروف الاجتماعية والثقافية المتعلقة والمحيطة بهذه الظاهرة .
4 . إن أبرز حلقات السلسلة السببية التي تقف وراء ثورة آذار 2011 ، والتي أدّت إلى تحول التراكمات التاريخية ( الكميّة ) التي كان أخرها حادثة أطفال درعا ،إلى ثورة شعبية ( نوعية ) عارمة على مستوى الوطن كله ،هي بصورة أساسية :
+ حلقات تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين ، سايكس ـ بيكو ، وعد بلفور ، الانتداب الفرنسي على

سورية ( 1920 ـ 1946 ) ، ثورة 1925 على هذا الانتداب ، هزيمة الجيوش العربية عام 1948 وقيام دولة  الكيان الصهيوني ،+ حلقات تعود إلى المرحلة الاستقلالية ( بعد 1946 ) ولا سيما بروز دور الجيش على الساحة السياسية السورية ، والمناخ السياسي الديموقراطي ( نسبياً ) الذي عاشته سورية في هذه المرحلة ، بعد سقوط حكم أديب الشيشكلي عام 1954 ،

+ حلقات تعود إلى مرحلتي الوحدة ( 1958 ـ 1961 ) والانفصال ( 1961 ـ 1963) ،
+ حلقات تعود إلى المرحلة من 1963 إلى 1966 ولاسيما ، أحداث 18 تموز 1963 وأحداث حماه الأولى ،

1964 والصراع مابين الجناحين المدني  ( عفلق وأتباعه ) والعسكري ( اللجنة العسكرية وأتباعها ) ،

+  حركة 23  شباط 1966 ، والصراع على السلطة بين الجناحين المدني  (عفلق ومنيف الرزاز / القيادة

القومية ) والعسكري ( حافظ  وصلاح جديد  / القيادة القطرية ) في الحزب وفي الجيش وفي الحكم ،

+  حرب حزيران 1967 واستيلاء إسرائيل على هضبة الجولان ،
+  الإشكالية المتعلقة ببلاغ سقوط القنيطرة رقم 66 الذي أصدره حافظ الأسد كوزير للدفاع آنذاك ،
+ الصراعات الحزبية التي تلت هزيمة حزيران ، بين قيادة حركة 23 شباط 66 وحافظ الأسد ، والتي انتهت

+  بانقلاب حافظ الأسد على قيادة حركة 23 شباط 1966 ، وبالتالي على الحزب والحكم والجيش ، وانكشاف

الوجه الطائفي لحركته التصحيحية !! ،( نوفمبر 1970 وحتى هذه اللحظة )  .
ثالثاً ، مرحلة دكتاتورية عائلة الأسد أو ” أم المراحل  “ :
لقد وصل حافظ الأسد ومجموعته إلى السلطة في سورية عام 1970 ، عبر توجه مزدوج : الانضمام إلى حزب البعث ، والالتحاق بالجيش ، وبحسب باتريك سيل في كتابه الأسد ( الطبعة الحادية عشرة ، بيروت 2010 ) فإن النواة الأساسية لما عرف لاحقاً ب ” اللجنة العسكرية ” التي قامت بانقلاب / ثورة 8/3/1963 قد تشكلت في القاهرة عام 1959 . يقول سل  :  ” كانت بداية اللجنة متواضعة حقاً ، لم يكن فيها سوى خمسة ضباط : النقيبان الأسد والجندي ، الرائدان جديد والمير ، والمقدم محمد عمران ، كان أول عمل قاموا به ، هو أنهم أقسموا على السرية … وكانوا مشتركين في غريزة قديمة هي غريزة الكتمان التقية التي تتصف بها مجتمعات الأقليات المضطهدة في الشرق الأوسط …وكانت خليّتهم في عزلتها أشبه ماتكون بالمحفل الماسوني ” (ص107 ). ويقول سيل في الصفحة 23 من الكتاب ” وعندما سئل رئيس بلدية القرداحة عن أسماء الأسر القبلية في قريته أجاب : ليس لدينا قبائل ولا عوائل هنا ، بل نحن جميعاً في عائلة البعث بقيادة حافظ الأسد ” (!!) .
إن مثل هذا الفهم الطائفي المؤسف لحزب البعث العربي الاشتراكي ، لايسمح ـ إطلاقاً ـ بمماهاة حزب البعث بنظام عائلة الأسد . إن حزب البعث ، لم يكن واقعياً بالنسبة لحافظ الأسد ومجموعته العسكرية سوى حصان طروادة ، الذي استخدموه لإخفاء عورتهم الطائفية .ولاسيما بعد أن تخلص بالقتل وبالسجن وبالكذب والخداع من كل من يقف في وجهه من العسكريين والمدنيين .
هذا ويمكن أن نقسم مرحلة حكم عائلة الأسد إلى قسمين أساسيين : مرحلة الأب التي امتدت من عام 1970 وحتى وفاته عام 2000، ومرحلة الإبن ( الوريث ) التي بدأت عام 2000 وماتزال مستمرة حتى اليوم           ( 01/12/2014 ) . لقد كان انقلاب الأب على شركائه في حركة 23 شباط 1966 ،(مجموعة صلاح جديد) وتفرده بالسلطة عام 1970، وتنفيذه لمجزرة سجن تدمر 1980، ومجازرمحافظات حلب وإدلب وحماة ( مابين 1980 و 1982 ) المعروفة أبرز الممارسات الدموية القذرة التي ورّثها لابنه بشار . ولقد افتتح بشار عهده الجديد بخديعة الديموقراطية وفتح باب حرية التعبير(موارباً  ) والذي كان مغلقاً بزمن أبيه ، وذلك فيما أوحى به كذباً في ” خطاب القسم “ ،. وهكذا اندلعت شرارة ربيع دمشق الأول بإنشاء المنتديات السياسية غير الرسمية التي أخذت تعقد لتشجيع الحوارات المفتوحة بين جميع الأطراف للقضايا السياسية وقضايا المجتمع المدني ،وقد كان أشهر هذه المنتديات منتدى الحوارالوطني الذي أنشأه رياض سيف ، ومنتدى الأتاسي الذي أنشأته سهير جمال الأتاسي . لقد كانت مطالب المشاركين في هذه الحوارات الأساسية والتي ورد ت في ما سمي بيان الـ 99 (سمبتمبر 2000) ولاحقاً في بيان الـ 1000( يناير 2001 ) هي بصورة أساسية : التعددية السياسية والفكرية ،ورفع حالة الطوارئ ،وسيادة القانون ، واستقلال القضاء ، أي لم يكن بينها تغيير النظام ،
لم يدم شهر العسل هذا طويلاً ، إذ سرعان ماقلب بشار لهذه المعارضة السلمية والمشروعة ظهرالمجن، وأغلق منتدياتها ( بصورة خبيثة ومتدرجة ) ووضع ناشطيها الأساسيين في السجن ، وبعثت ( بضم الباء ) بهذا روح الأب ووحشيته من جديد ، (وكأنك يابو زيد ماغزيت ) .                                                             

رابعاً ، ثورة آذار 2011 / ابرز المحطّات :
يطلق بعض الكتاب ، وبعض وسائل الإعلام العربية والعالمية ، على الحراك الشعبي الذي شهدته سورية في آذار إسم ” ثورة 15 آذار “ ، اعتماداً على عدد من الاعتصامات والاحتجاجات التي نظمها بعض النشطاء في دمشق في شهري شباط وآذار 2011 طلبا للحريات المفقودة ، والتي كان أبرزها مظاهرة ” سوق الحميدية ” بتاريخ 15 /3/2011 التي دعا إليها عدد من النشطاء تحت إسم ” يوم الغضب ” وقام شبيحة الأسد بتفريقها بالقوة ، بينما يطلق عليها البعض ( ولا سيما أبناء محافظة درعا / حوران  )  إسم ” ثورة 18/ آذار /2011 “ اعتماداً على أن أول شهداء الثورة قد سقطوا في هذاليوم وفي اليوم التالي ( يوم التشييع ) في مدينة درعا ، وأن هؤلاء الشهداء ( الأربعة ) هم من يمثل الشرارة الحقيقية لانطلاقة الثورة السورية ، ويعطيها إسمها الفعلي ، إضافة إلى أن ثوار درعا هم أول من دمّر وأسقط تمثال حافظ الأسد في مدينة درعا .

من جهتنا لن نتوقف طويلاً عند هذه الإشكالية ، فشهداء الثورة قد بلغوا اليوم ( 2014 )قرابة ربع مليون شهيد ، ولا فضل لمحافظة على أخرى في استمرار وفي صمود ” ثورة آذار 2011 ” ، فالكل أمام أسلحة بشارالأسد الصاروخية والكيماوية ، وأمام براميله  قاتلة الأطفال ، سواء .
وفيما يلي أبرز محطات هذه الثورة :
1. تيمناً بشعارات ثورتي تونس ومصر ، وبعد رحيل كل من بن علي وحسني مبارك ، كتب تلاميذ إحدى المدارس الابتدائية في مدينة درعا على جدران مدرستهم ، شعارات مناهضة لبشار الأسد ،( جاك الدور يادكتور) وذلك بتاريخ 27.02.2011 ، وسرعان ما تم اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية في درعا ، وإرسالهم إلى أقبية التعذيب في دمشق .
2. حاول آباء هؤلاء التلاميذ الصغار، ومعهم العديد من أعيا ن المدينة التوسط لدى مدير فرع الأمن السياسي بدرعا (عاطف نجيب / أحد أفراد الأسرة الحاكمة ) ، للإفراج عن هؤلاء الأطفال ، بيد أن ردة فعل هذا المسؤول الأمني على مطالب هؤلاء الآباء والأعيان كانت استفزازية ، وغير أخلاقية ، وغير محتملة اجتماعيّاً ، الأمر الذي معه خرجت المظاهرات الشعبية ” سلميّاً ” في مدينة درعا ، فيما سمي بـ ” جمعة الكرامة ” يوم             ( 18.03.2011 ) ، حيث جابهتها الأجهزة الأمنية الأسدية بالرصاص الحي الذي أوقع عدداً من الشهداء ، الذين كانوا الصاعق الذي فجر في الأيام والجمع التالية الثورة السورية ، بداية في محافظة درعا ، ونهاية في كافة أنحاء سورية . ( لقد وثق المغني السوري سميح شقير هذه الواقعة بأغنيته الرائعة والمعبرة ” ياحيف ! ” ) .
3. لقد أيقظ الرصاص الحي ، والتنامي اليومي لأعداد الشهداء ، في معظم المدن السورية التي تظاهرت تضامنا مع شهداء درعا ( نحن معاك للموت يادرعا ) الشعب السوري من سباته الذي زاد على الأربعة عقود ، وأدرك أنه كان ضحية حقبة تاريخية سداها الدبابة والمدفع ، ولحمتها الكذب والتدليس والتضليل والتعتيم ، وآخر اهتمامات ” أسودها ! ” هو مصلحة وحرية وكرامة المواطن ، ناهيك عن السكوت المطبق على احتلال اسرائيل لهضبة الجولان منذ عام 1967. نعم لقد اسيقظ المارد من سباته الطويل ، وقررألاّ يعود إلى قمقمه قبل سقوط نظام بشارلأسد الديكتاتوري المتواطئ ، والذي وصفه الثوار بـ”الخائن” ( اللي بيقتل شعبه خاين) .إن مواجهة المظاهرات الشعبية السلمية ، بالرصاص الحي ، واستمرار السقوط اليومي لعشرات الشهداء في كافة أنحاء سورية ، وأكذوبة العصابات المسلحة قد دفع بشباب الثورة وقادتها إلى الارتفاع بسقف مطالبهم ، من الإفراج عن تلاميذ درعا ، ومطالبة النظام بالقيام بعدد من الإصلاحات السياسية ، إلى المطلب الذي بات لاحقاً على كل لسان  ” الشعب يريد إسقاط النظام ” ، وقد طور بشار الأسد بدوره ردّه الوحشي على المتظاهرين ، وبالتالي على الثورة الشعبية ، بالانتقال من استخدام الرصاص الحي ، إلى البراميل الطيارة المتفجرة والصواريخ الروسية المدمّرة بعيدة المدى ، إلى أسلحة الدمار الشامل المحرمة دوليّاً ( السلاح الكيماوي )، مستغلاًّ بذلك الصمت العربي والدولي ، ومستغلاًّ ضعف أداء المعارضة ، وانشغالها بصراعاتها الداخلية ، الناجمة عن ارتباطاتها الخارجية العربية والدولية وعن علاقاتها البينية القديمة المأزومة .
4.إن بشار الأسد لم يعد بنظر أبناء الشعب السوري ، بعد كل ماصنعته يداه بهم يستحق حتى صفة “الرئيس” ، وإنما أصبح بنظرهم مجرد “رئيس عصابة “من الشبيحة ، ورثها عن أبيه . ونرى من جهتنا أنه إذا ماكان أبوه ( حافظ ) يفتقر إلى الشرعية ثلاث مرات ( مرة لأنه جاء على ظهر دبابة ، ومرة لأنه كذب على الشعب بخصوص ماسمّاه زوراً (الحركة التصحيحية ) ، وثالثة لأنه دمر مدينة حماه وقتل عشرات الألوف من أبنائها

عام 1982 ) ، فإن الإبن بشار قد أضاف إليها ثلاثة أخر هي : (وصوله إلى السلطة كأبيه عن طريق المؤسسة العسكرية ، وفضيحة تعديل الدستورعن طريق مجلس الدمى من أجل التوريث ، وأخيراً وليس آخراً مواجهته الدموية الفاشية والمشبوهة لثورة آذار 2011 الشعبية ، والتي اعترف بنفسه بمشروعية مطالبها ، والتي توشك اليوم على طي عامها الثالث  ، والدخول في عامها الرابع .
5. تعاني ثورة آذار السورية من وقوعها بين المطرقة والسندان ،والإشكالية التي يطرحها هذا التشبيه هي
إن المطرقة هنا هي ليست فقط نظام بشارالأسد وشبيحته ، وإنما هي أيضاً دول أو/ و عناصر خارجية أخرى   ( روسيا ، إيران و حزب الله ، وقوات طائفية مختلفة ) تشارك مع هذه المطرقة ؟!. وإن الدول والقوى التي تمثل السندان الذي يسند ويساند هذه المطرقة ، هي ليست فقط الدول الأجنبية ، وإنما أيضاً دول عربيىة وإسلامية مختلفة ومتعددة ، تساند إمّا بالفعل أو بالصمت أو بالكذب هذه المطرقة ( نظام بشار الأسد ) على القيام بوظيفتها الدموية والهمجية ضد الشعب السوري . أمّا عنصر الشبّيحة فيتجسّد  ـ وفق تفسيرنا الخاص لهذا المفهوم ـ  في ما سنطلق عليه أسيجة الحكم السبعة والتي هي :
1) الشرعية الشكلية ،المرتكزة على مثلث : التطييف ، التضليل ،التزوير ( التاءات الثلاث ) ،
2) الجيش العقائدي (!!) ، الأجهزة الأمنية السرية والعلنية ، الحرس الجمهوري الطائفي ، ومؤخراً اللجان

الشعبية !! ( واقعياً الميليشيات الطائفية الداخلية والخارجية ) ،
3) الحكومة ومؤسسات الدولة ، الرسمية وشبه الرسمية ( الاتحادات والنقابات المدجّنة ، والجبهة القومية )،
4) المرتزقة من شبيحة السيف وشبيحة القلم وشبيحة المال وشبيحة الدين وشبيحة السياسة من اليسار واليمين،
5) التضليل الإعلامي والشعارات الكاذبة عن التصدي والممانعة ودعم المقاومة المعادية للكيان الصهيوني ،
6) حزب البعث ، الذي هو ــ تطبيقياً ــ ، وبمليونيه الكاذبين (!!) الإسم الحركي لحكم عائلة الأسد ومرتزقتها ،
7) الدعم الخارجي ، الظاهر والمستتر، للنظام من قبل كل الذين يخشون أن يعود لسوريا بعد سقوط بشار الأسد

دورها القومي التقدمي المعروف ، وبالتالي أن يكون البديل الديموقراطي لنظام الأسد ، قادراً على التفريق

بين العدو والصديق .

خامساً ، التكلفة المرّة :
لقد كانت تكلفة وقوع الثورة السورية بين المطرقة والسندان عالية جداًّ ، حيث طالت هذه التكلفة كلاًّ من البشر والشجر والحجر بل والحيوانات أيضاً ( مذبحة الحمير) ، ولكي لاأكرر الأرقام التي باتت معروفة للجميع ، أذكر فقط ماأورده تقرير الأمم المتحدة ( 22/08/ 2014 ) عن أن أرقام ضحايا النظام السوري (عائلة الأسد) قد بلغت حتى أفريل 2014 ( 191000 ) ضحية ( شهيد )، وهو مايعادل حسب منطوق التقرير الأممي أكثر من ضعف عدد الضحايا قبل عام واحد ، بل إن نافي بيلاي مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أردفت وهي تقدم التقرير أن رقم الـ 191000 هو أقل من الحقيقة . ويؤكد قول بيلاي الأخير هذا إحصاءات مركز دراسات الجمهورية الديموقراطية التابع للثورة السورية ، والتي تشير إلى أن عدد ” جرائم النظام السوري من منتصف أذار 2011 ، وحتى نهاية أكتوبر 2014 ” قد وصل تقديرياً إلى 250000 شهيد ،( 80 % منهم مدنيون  ، 68 % ذكور ، 32 % إناث )  بينهم 2800  فلسطيني ، 17100 طفل ، 16000 امرأة ، 20600 شهداء تحت التعذيب ، عدد الجرحى فوق 205890 ، عدد المعتقلين التقريبي فوق 265085، عدد المفقودين التقريبي فوق 102595 ، عدد اللاجئين خارج سوريا فوق 3854440 ، عدد النازحين داخل سورية فوق 8180000. وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بدورها ، حصيلة ضحايا شهر نوفمبر / تشرين الثاني 2014، على يد قوات نظام عائلة  الأسد ( سنكتفي بذكر المدنيين من غير المقاتلين فقط ) على النحو التالي :

1169 شخصاً ، بينهم 171 طفلاً ( بمعدل 6 أطفال يومياً ) ، و 78 امرأة ، وبلغ عدد من ماتوا تحت التعذيب

مالايقل عن 231 ضحية ( بمعدل 8 ضحايا يومياً ) . بلغت نسبة الأطفال والنساء من الضحايا المدنيين 22 % مما يشير إلى الاستهداف المتعمد لهذه الشريحة المجتمعية من قبل قوات النظام .

وإذا كانت أرقام الضحايا متفاوتة زيادة و/ أو نقصاناً ، بين هذه الجهة أو تلك ، فلأن نظام بشار الأسد (وحماته المعروفين) كان طوال الأعوام الثلاثة التي أوشكت على الانقضاء من عمر الثورة ، يحمل البراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي بيد ، والكذب والتضليل الإعلامي ومحاولة حجب كل مايجري داخل سورية من انتهاكات ومذابح وجرائم ، ولاسيما مايتعلق بالأطفال والنساء ،عن الرأي العام العالمي ، باليد الأخرى.

سادساً ، أزمة الثورة السورية ، الأسباب والنتائج :
1. تعاني الثورة السورية داخلياً ، من تردد بعض الأقليات في الإلتحاق بالثورة ، وذلك نتيجة لتخويف بشار الأسد وأعوانه لهم من إمكانية أن تأتي الديمقراطية التي تنادي بها الثورة، ببديل إسلامي ( الأكثرية ) يمكن ألاّ يتعامل معهم على أساس مبدأ ” المواطنة ” الذي يتساوى فيه الجميع أما م الدستور والقانون . ولاسيما بعد أن قدمت ” داعش “ النموذج المرعب عن الإسلام ، والذي لايمت برأينا للإسلام الذي يعرفه المسلم الحقيقي بصلة . إن كافة بيانات وأدبيات التيار الإسلامي الوسطي ،المنخرط في الثورة وفي المعارضة والتي أمكننا الاطلاع عليها ، تؤكد بصورة لالبس فيها ولا غموض ، على الالتزام بمبدأ المواطنة ، الذي يساوي بين جميع المواطنين أمام الدستور والقانون . بل إن أحد الأسباب الكامنة وراء قيام ثورات الربيع العربي كلها هو غياب كل من الديموقراطية ومبدأ المواطنة في ظل أنظمة ماقبل هذا الربيع العربي ، فالمواطنة الحقّة ، والديموقراطية الحقة لا يتناقضان ( حسب فهمنا الخاص لمبادئ الإسلام ) لامع مبادئ الإسلام ولا مع شريعته السمحاء .
إننا نذكّر  ( بضم النون ) هنا ، بأن المجتمعات البشرية كلها ، ومنها مجتمعنا السوري ، ليست كأسنان المشط ، ولكنها تطبيقيّاً كأصابع اليد، من حيث تفاوتها في الطول والعرض والحجم والوزن ، ولكنها تتضافر عملياً في تأدية وظيفة بيولوجية واحدة موحدة هي وظيفة اليد المعروفة للجميع ، والتي هي خاصية بشرية بصورة أساسية . إن مايعنيه هذا التشبيه من الناحية العملية ، هو أن كلاًّ من الأكثرية والأقلية ، لابد وأن يكون خاضعاً لحكم الدستور والقانون اللذين يساويان بين الجميع على أساس مبدأ المواطنة ،(اليد الواحدة) ، ولذلك فإنه من غير المقبول، أن تعلق بعض الأقليات ، موقفها من الثورة ، وبالتالي من صندوق الاقتراع ، على إقصاء الآخرين ، ( التيار الإسلامي المعتدل تحديداً )حتى في حالة الخلاف والاختلاف معهم سواء في التكتيك أو في الاسترتيجية. ولنا في قول الإمام الشافعي لمختلف معه في الرأي : ( إن رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب ) ، وأيضاً في قول فولتير لمختلف معه في الرأي أيضاً : ( إنني أخالفك الرأي ، ولكني مستعد أن أضحي بحياتي من أجل أن تقول رأيك بحرية ) أسوة حسنة .
إن كل من يرهن موافقته على الديموقراطية ، بهذا الشرط أو ذاك ، لايمكن أن يكون منطقيّاً وتطبيقيّاً ديموقراطياً حقيقياً ، ولا مناضلاً ثوريّاً ، ولا مؤمناً بحق الشعب في اختيار من يحكمه، إنه ببساطة إقصائي ،والإقصائية بكل صورها تعتبرــ بنظرنا ــ نقيضاً لكل من الديموقراطية والمواطنة معاً ، بل إنها بصورة أو بأخرى شكل من أشكال الديكتاتورية .
2. تعاني المعارضة السورية لنظام بشار الأسد ، سواء في إطار التحالف ، أو في إطار المجلس ، سواء في الداخل أو في الخارج ، سواء المعارضة المدنية أو العسكرية أيضاً ، من خلل بنيوي ، ليس فقط في علاقاتها البينية ، وإنما أيضاً في علاقاتها الداخلية ( داخل المجموعة ذاتها ) ، مما أضعف فعالياتها ومواقفها سواء أمام النظام السوري الذي تعارضه ، أو أمام الرأي العام السوري والعربي والعالمي الذي من المفروض أنه يحتضنها ويقف إلى جانبها ضد النظام الذي تعارضه . وتعود الأسباب الأساسية لهذا الخلل البنيوي ـ من وجهة نظرنا ـ إلى :
ـــ الطابع التراكمي الكمي والكيفي لتشكل هذه المعارضة ، والذي بدأ بمرحلة الاستقلال الأولى(مرحلة الجهاد الأصغر) ، في ثلاثينات والنصف الأول من أربعينات القرن الماضي ( ثورة 1925 ، الكتلة الوطنية ،عصبة العمل القومي ) ثم استمرّ في مرحلة الاستقلال الثانية ( مرحلة الجهاد الأكبر )، بعد 1946 ( جلاء الاستعمار الفرنسي ) ، وصولاً إلى حكم عائلة الأسد ( الذي بدأ رسميّاَ عام 1970، والذي ما يزال مستمرّاً حتى اليوم  ) ، مروراً بمرحلة الإنقلابات العسكرية بعد 1949 ، ومرحلة الوحدة ( من 1958 إلى 1961 ) ، ومرحلة الانفصال ( 1961 – 1963 ) ومرحلة ثورة الثامن من آذار ( من 1963 – 1970 ) .
ـــ تسبب هذا الطابع التراكمي للمعارضة بوجود أزمة ثقة مزمنة بين مختلف أطراف وأجنحة هذه المعارضة ، ويرجع السبب في ذلك إلى أن بعض هذه الأطراف والأجنحة كان ذات يوم إما في السلطة ،أوجزءاً من السلطة ، ومارس إما بصورة مباشرة ، أو غير مباشرة اضهاد وإقصاء من كان معارضاً له آنذاك ، والذي هو الآن شريكه وزميله في معارضة نظام عائلة الأسد، وبالتالي فإن جميع أطراف وأجنحة هذه المعارضة تختزن في داخلها عدداً كبيراً من إشارات الاستفهام والتعجب والتوجس حيال بعضها بعضاً ، وبالتالي الخوف من أن تعود حليمة لعادتها القديمة بعد سقوط نظام عائلة الأسد ، أي في  مابات معروفاً باسم ( اليوم التالي the day after لسقوط النظام ) ،
ـــ التداخل بين بنية المجتمع وبنية الأحزاب السياسية التي تشكلت في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي ، الأمر الذي جعل من هذه الأحزاب ، وبالتالي من سلوك ممثليها في المعارضة ( سواء في المجلس أو في الإئتلاف ) انعكاسا بهذه الدرجة أو تلك ، من جهة ، للتركيب القبلي والعشائري والمذهبي والطائفي الغالب على المجتمع السوري ، ومن جهة أخرى ، لإشكالية الأقلية والأكثرية التي تعاني منها الثورة السورية اليوم ، هذا مع العلم أن الطابع الأقلياتي هو الطابع الغالب على الأحزاب العلمانية ، سواء على مستوى القيادات أوعلى مستوى القواعد ، وهو مايعتبر بنظرنا أمراً طبيعيّاً ومبرراً ، ذلك أن برامج هذه الأحزاب ، وأيديولوجياتها غالباً ما تشدد على مبدأ المواطنة الذي تتساوى فيه هذه الأقليات مع الأكثرية ، ولكن علمانية هذه الأحزاب غالباً ماانطوت على ( وهذا أمر يؤسف له ) على جرثومة العداء للإسلام الذي هو دين الأكثرية الساحقة في المجتمع .
إن التفاف واتفاق كافة اطراف المعارضة السورية حول / على مبدأي المواطنة والديموقراطية ، إنما يمثل ـ من وجهة نظرنا ـ الطريق الأقصر والأسلم لانتصار ثورة الحرية والكرامة على نظام بشارالأسد الديكتاتوري الفاشي . ذلك أن مبدأ المواطنة ، يحول الطابع الديني لمفهوم الأقلية والأكثرية على شموليته ( إنما المؤمنون إخوة )إلى طابع سياسي أكثر شمولية ( إنما المواطنون إخوة ) محكوم ليس فقط بالتناقض ، وإنما بالوحدة أيضاً ( قانون وحدة وصراع المتضادات ) ، بينما تحل الديموقراطية ، وبالتالي صندوق الاقتراع ، الإشكالية المتعلقة بالأكثرية والأقلية حلاًّ علمياً وعملياً وأخلاقياً .
3. إن ” الأقلية” بمختلف ألوانها وتسمياتها ( وفيما نعتبره قانوناً سوسيولوجياً ) ، إذا ماوصلت إلى السلطة ، بما هي أقلية ، وعن غير طريق الديموقراطية وصندوق الاقتراع ، فإنها لاتستطيع الاحتفاظ بهذه السلطة إلاّ بإلغاء الديموقراطية وصندوق الإقتراع ، وهو مايعتبر خرقاً واضحاً وصريحاً لمبدأ المساواة على أساس المواطنة ، وهو ماحدث ويحدث في سورية منذ الثامن من آذار عام 1963 بصورة عامة ، ومنذ عام 1970 على وجه الخصوص . إن صندوق الإقتراع النزيه والشفاف هو العدو الأساسي لأية أقلية  ( طائفية ، أو قبلية ، أو قومية ، أو جهوية ، أو دينية  ) يمكن أن تصل إلى السلطة عن غير طريق هذا الصندوق  .
4. إن التداخل والتعارض بين العوامل الموضوعية والذاتية ، في عملية التغير الاجتماعي ، عادة مايترتب عليه تباين وتعارض في الرؤى السياسية والأيديولوجية سواء بين الأفراد أو بين الجماعات ، بما في ذلك بين الأكثرية والأقلية وداخل كل منهما ، وذلك بسبب التباين في زوايا النظر إلى الظواهر الاجتماعية ، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى  التعددية  في الرؤى والمواقف ، وبالتالي الاجتهادات المتباينة ، المتعلقة بماضي وحاضر ومستقبل الأمّة والثورة ، ولذلك فإن مانراه من  فوضى البيانات والمؤتمرات والتصريحات والمواقف وكذلك الأخطاء ، العفوية أو المقصودة ، ينبغي ألاّ تخيفنا ، ولا سيما ، أن شعبنا وأن أحزابنا ، وبالتالي المعارضة قد عانت على مدى نصف قرن من الحكم الفردي الشمولى الذي لم يكن فيه مكان حتى للتنفس بحرية . إنه لأمر طبيعي ، أن نشهد مثل هذه الفوضى السياسية والفكرية والاجتماعية ، بعد أن فتحت ثورة آذار2011 المجيدة ، أمام الشعب السوري في الداخل والخارج أبواب الحرية على مصراعيها .
سابعاً ، المعارضة والمواقف المتباينة من النظام :
1. تتكون المعارضة السورية لنظام عائلة الأسد ، من ستة تيارات هي : التيار الشعبي ، تيار الإسلام السياسي

   ، التيار القومي ، التيار اليساري ، التيار الليبرالي ، وتيار ثورة آذار  ، وهي تنقسم في موقفها من نظام بشار

الأسد إلى ثلاثة تيارات رئيسية هي:
+  تيار ” الشعب يريد إسقاط النظام “ وهو التيار السائد والغالب ، سواء في الداخل أو الخارج ، وهو يرفض

الحوار مع النظام ولكنه مستعد للتفاوض معه فقط على رحيل بشاروإعادة السلطة لأصحابها الشرعيين

الشعب السوري

+  تيار  ” الشعب يريد تصحيح المسار”، ولكن دون استبعاد الحوار والتعاون مع النظام ، من أجل أن يقوم

النظام نفسه بإصلاحات سياسية ديموقراطية ، تؤدّي لاحقاً إلى إسقاط النظام ،

+  تيارإصلاحي (مزدوج الولاء) يطالب بشار بأن يجري بنفسه إصلاحات سياسية تحول دون سقوط النظام .

بيد أن الحدود والأبواب مفتوحة بين هذه التيارات الثلاثة ، وهي تسمح بالتالي بالتنقل والتحرك من جماعة  

إلى آخرى بدون أية عوائق أو إشكالات ، ولا سيما أن لكلٍّ تيار من هذه التيارات الثلاثة ، ظاهر يتفق فيه

مع الآخرين ، وباطن يحتفظ  فيه لنفسه ، بل ويحاول إخفاءه عن الآخرين،ولذلك فإن هذا الحراك بين

التيارات الثلاثة ، لايؤثر كثيراً على الموقف الحقيقي لكل منها . 

  1. لقد كانت استراتيجية النظام ( عائلة الأسد ) ، هي جر الثورة السورية ، من جهة نحو التخلي عن طابعها السلمي واللجوء إلى العنف ( خطاب بشار الأول في 30/3/11 ، وأكذوبة العصابات المسلحة ) ومن جهة أخرى دفعها نحو الطائفية. حيث نشر شبيحته زوراً أن المتظاهرين يهتفون (المسيحية عَ بيروت والعلوية عَ التابوت ) بيد أن وعي شباب الثورة وقادتها كانوا لتلك الاستراتيجية الخبيثة بالمرصاد ، حيث أخذت هتافات المتظاهربن تشدد أكثر فأكثر على سلمية الثورة ، وعلى وحدة الشعب ، وباءت أطروحات بشار وشبيحته عن ” العصابات المسلحة ” وعن ” القاعدة ” ، بالفشل الذريع ، بل وتحولت إلى نكتة للتسلية والضحك ، و عندما بدأت انشقاقات الجيش السوري الحر ، وكانت غالبية المنشقين من المسلمين السنة ومعهم أسلحتهم الفردية ، وتداخلت المعارضة المدنية مع المعارضة العسكرية ، وجد بشار الأسد ضالّته ، في استمرا ر الحديث الممجوج عن العصابات المسلحة ، ناسياً أو متناسياً ، أن العصابات المسلحة إن هي إلاّ تلك التي بلغت ضحا ياها تلك الأرقام المذهلة التي أوردناها أعلاه . إن الجندي أو ضابط الصف أو الضابط المنشق ، هو ـ برأينا ـ المواطن السوري الشريف الذي رفض إطلاق النار على أخيه وعلى أمه وأبيه ، إنه النقيض الحقيقي للعصابات المسلحة التي يطنطن بها كذباً وتدليساً بشار الأسد وأعوانه في الداخل والخارج ، على حد سواء . دون أن نغفل ــ بطبيعة الحال ـ الأخطاء المؤسفة التي اكتنفت الثورة ، قيادات وقواعد ، والتي وصلت في بعض الحالات حد التماهي مع ممارسات النظام المدانة التي قامت الثورة أساسا بسببها ، ودون أن نغفل كذلك اللعبة الدولية التي عملت وتعمل على إشغال الجيش الحربانشغالات (عرب وين طنبورة وين ) أي إبعاده عملياً عن ساحة محاربة النظام  .

ثامناً ، مؤتمر جنيف2 ، لماذا عقد ولماذا فشل ؟ :

لم يكن الهدف من المسرحية التي أُثيرت حول مؤتمر جنيف ، أو(حلف 5+1 والواحد هنا يشير إلى الأذناب والتوايع ) ،هو حل الصراع الدموي بين النظام والمعارضة ، وإنما على العكس من ذلك كان ، هو استكشاف أشكال من التضليل السياسي ، سورياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً لإطالة هذا الصراع ماأمكن ، دون أن ينكشف دور هذا الحلف المشبوه  في هذه الإطالة . ولهذا السبب ، لم نر أحداً يشد شعر رأسه أو يمزق ثيابه ، حزناً على وفاة المرحوم (مؤتمر جنيف ) ، بمن فيهم الأخضر البراهيمي ، بل إن مارأيناه وما سمعناه من الدول العظمى المعنية وأتباعها هو ” إنّا لجنيف وإنّا إليه راجعون “ . إن ما يجب ألاّ يغيب عن عاقل فيما يتعلق بموضوع مؤتمر جنيف ، هو أنه ، لوكان المطلوب

فعلاً هو حل الصراع الدموي بين المعارضة ونظام الأسد في هذا المؤتمر، لكان على ” الدول العظمى ” أن تفرض على بشار الأسد وقف عملياته الوحشية ( الطيران والصواريخ والبراميل) ضد المدنيين ، والإفراج عن المعتقلين والمعتقلات ،ولاسيما الأطفال والنساء كحد أدنى، قبل الذهاب إلى جنيف ، وذلك لكي يبدأ الحوار في جنيف حول المطالب الجوهرية للثورة ، وليس حول إطعام المحاصرين في حمص ، والإفراج عن بعض المعتقلات والمعتقلين ، والتي تعتبر من الأمور التي تدخل تحت مفهوم الحق المطلق للإنسان في الحياة ،وفي حرية التعبيرعن رأيه والتي من المفروض أنها لاتدخل في إطارأية مساومات سياسية.

لقد أرسل الكاتب إلى قيادة الإتلاف الوطني في استنبول ، بتاريخ  6/12/2013 مقترحات محددة وتفصيلية للوفد

الذي ذهب إلى جنيف2 ( وهي ماتزال صالحة  ـ على مانرى ـ للوفد الذي يمكن أن يذهب إلى جنيف 3 ، أو إلى

موسكو 1 )  ألا وهي التالية :

[[ مقترحات الدكتورمحمد الزعبي لوفد المعارضة الذي يمكن أن يذهب إلى جنيف2 في 22.01.2014 .
ينبغي أن يتم الاتفاق بين المعارضة المدعوة لحضور مؤتمر جنيف2 ، في 22.01.14 ، والجهة الداعية والراعية لهذا المؤتمر ، وذلك قبل التوجه إلى جنيف ، على ماسيأتي ، بحيث يصبح لقاء الطرفين في جنيف ، فقط للتعديل والتصحيح والتوضيح وليس للانطلاق من نقطة الصفر :
أولاً : قبل الذهاب إلى جنيف ،
1. وقف اطلاق النار بين الطرفين بصورة شاملة وكاملة ،
2. انسحاب كافة المسلحين من الطرفين من المدن والقرى إلى خارجها ، بانتظار أوامر جديدة ،
3. تسمية رئيس وأعضاء هيئة الحكم التي ستتولى كامل السلطات التنفيذية في المرحلة الانتقالية ،
4. ينبغي أن يكون رئيس الهيئة من المعارضة ،
5. ينبغي أن يكون ممثلو النظام في وفد المفاوضات وفي هيئة الحكم ممن لم تتلطخ أيديهم ولا مراكزهم

   المدنية والعسكرية بدماء أبناء الشعب السوري ،
6. ينبغي أن تكون هيئة الحكم كاملة الصلاحية في المجالين المدني والعسكري بما يعني نهاية نظام الأسد
ثانياً : في جنيف ،
7. تصدرهيئة الحكم في اجتماعها الأول ، وفي جنيف، وكجزء من أعمال المؤتمر، القرارات التالية :
ــ قراراً بالإفراج الفوري عن كل المعتقلين والسجناء السياسيين ،
ــ حل مجلس الشعب السوري ( مجلس بشار الأسد ) ،
ــ حل مجلس الوزراء ( وزارة وائل الحلقي ) ،
ثالثاً : مابعد جنيف ( في دمشق ) ،
8. تصدر هيئة الحكم ، ووزير الدفاع التوافقي الجديد ، قراراً فورياً بعودة العسكريين المنشقين إلى

   تشكيلاتهم التي انشقوا عنها ، ويعطون كافة الحقوق التي افتقدوها بسبب انشقاقهم عن جيش النظام ،
9. تصدر هيئة الحكم قراراً بحل كافة التشكيلات المسلحة ، التي تشكلت بعد 15.03.2011 ، وسيكون
على هذه التشكيلات تسليم أسلحتها للجهة الرسمية المخولة من الهيئة ،
10. تصدر هيئة الحكم قراراً بعودة كافة الموظفين المدنيين إلى وظائفهم السابقة ، وتصرف لهم
تعويضاتهم المالية عن الفترة التي توقفوا فيها عن استلام رواتبهم بسبب التحاقهم بالثورة ،

11.تضمن هيئة الحكم حرية التنقل في جميع أنحاء البلاد لكافة الصحافيين، السوريين والعرب والأجانب
رابعاً : المرحلة الانتقالية ،
12.تحدد المرحلة الانتقالية لهيئة الحكم الجديدة بـ (………….) وسيكون هدفها (وبعضها حسب عنان):
ــ إقامة نظام سياسي ديموقراطي تعددي ، يتساوى فيه المواطنون بغض النظر عن انتماءاتهم وطوائفهم
ومذاهبهم ، ويتم تداول السلطة فيه بشكل سلمي ،
ــ إعادة الأمن والاستقرار في البلاد ، وإعادة تنظيم الجيش وأجهزة الأمن ، بما يكفل هذا الاستقرار،
ــ إنشاء هيئة مستقلة مفوضة للتحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها المواطنون ، وإنصاف الضحايا ( في إطار

    قوانين توافقية مؤقتة ، خاصة بالعدالة الانتقالية ) ،
ــ وضع خطة علمية وسريعة من قبل خبراء ومختصين لإعادة إعمار المدن والقرى والبنى التحتية ، بما
في ذلك تأمين التمويل اللازم لهذه الخطة ،
ــ قيام هيئة الحكم الجديدة بالإعداد لإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية ، على أن تكون انتخابات شفافة
ونزيهة وبرقابة عربية ودولية ،وذلك خلال ( ………) من تشكيلها ،
ــ تتولى الجمعية التأسيسية المنتخبة ، إعداد مشروع دستورجديد للبلاد ، يتم إقراره عبر استفتاء عام ،
ــ تجرى انتخابات برلمانية ورئاسية على أساس هذا الدستور الجديد ،
ــ يتم تشكيل وزارة جديدة على أساس نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية والدستور الجديد ،
ــ وبتشكيل هذه الوزارة ، تعتبر الفترة الانتقالية قد انتهت ، وتعود الحياة الطبيعية وفق كل ماورد أعلا ه.]]

تاسعاً ، الإستعصاء في صراع الثورة مع النظام  :

لقد فشل مؤتمر جنيف 2 ، وزادت أزمة الثورة تأزماً بلغ حد الإستعصاء ، أي صعوبة انتصارأحد طرفي الصراع على الآخر ، ذلك أن الثورة تمتلك العدد والشرعية  ولكن دون العدة  ، في حين يمتلك النظام الطائفي الفاشي العدة مقابل العدد والديكتاتورية مقابل الشرعية ، إنه صراع الحق مع الباطل ، ولكن في ظل النظام العالمي الجديد ، نظام انتصار الباطل المدجج بالسلاح وبالمجتمع الدولي ، على الحق الذي لايملك سوى ” مالنا غيرك ياالله ” .

إن خروج ثورة آذار2011 من هذا المأزق / الاستعصاء ، يقتضي أن تبحث قياداتها في الأسباب البعيدة والقريبة ، المباشرة وغير المباشرة ، التي أوصلت الثورة إلى هذه الأزمة وهذا الاستعصاء . ومن موقع المسؤولية الوطنية والأخلاقية ، نقترح على من يهمهم أمرهذه الثورة ،ووصولها إلى أهدافها المعلنة ،أي الحرية والكرامة مايلي :

ضرورة تلافي الخطأ والخلل في بنية القيادة السياسية للثورة ، وذلك بواسطة إعادة هيكلتهما ورفدهما بعناصر

وقوى ثورية كفوءة يمكنها أن تقود الثورة إلى الانتصاربأقصروأسلم وأسرع الطرق وبالتالي أقلها تكلفة بشرية

ومادية . ويقترح الكاتب أن تتكون هذه القيادة السياسية والعسكرية من العناصرالثورية المعتدلة أيديولوجياً ،ولكن

الجذرية في معارضتها للنظام في كل التيارات السياسية والحزبية المعروفة  (أنظرالفقرة سابعاً أعلاه )  . ويرى أن

   على القيادة الجديدة  مراعاة  الأمور التالية  :  

   + تمتين العلاقة بين القيادة السياسية والقاعدة المقاتلة بشقيها المدني والعسكري ،

+ حصر حمل السلاح  ــ بالجيش الحر ، بشقيه ( المنشقين من العسكريين  والمتطوعين من المدنيين ) ،

+ إخضاع القيادة العسكرية للجيش الحر للقيادة السياسية الجديدة ،

+ تعيد القيادة السياسية وبالتشاور مع كبار الضباط في الجيش الحر ،هيكلة هذا الجيش ومهامه وتشكيلاته على

غرارالقواعد والأعراف العسكرية المتبعة في كافة جيوش العالم ،

   + تضع القيادة الجديدة ، ميثاق وطني جديد ، بالاعتماد على كافة ادبيات المعارضة السورية التي صدرت بعد

انفجارثورة آذار 2011 وأيضاً على الدراسات النظرية والميدانية التي وضعتها مراكز البحوث الموالية للثورة

ويكون هذا الميثاق أساساً لكل من ” اليوم الحالي ” و ” اليوم التالي ”  على حد سواء ،

+ الدعوة إلى مؤتمر وطني عام لمناقشة وإقرار الميثاق الوطني الجديد ، بوصفه عقداً إجتماعياً ملزماً للجميع ،

+ إعادة الحياة المدنية الطبيعية ، والإدارات المحلية إلى نشاطاتها التقليدية في المناطق المحررة ،

+ الاهتما م الخاص بالإعلام ، وكسب الرأي العام السوري والعربي والإسلامي والعالمي  لصالح الثورة ،

+ التشديد في مطالبة مجلس الأمن بضروة فرض حظر جوي ، يمنع النظام من ممارسة هوايته في قتل الأطفال

والنساء وفي تدميرالبيوت فوق رؤوس ساكنيها ، بواسطة البراميل الغبيّة ، والصواريخ الذكيّة ! ،

+ تجنب الانجرار وراء المخططات المعادية للثورة ، والهادفة إلى إشغالها بصراعات جانبية وبينية ، لاتخدم

بالنتيجة النهائية إلاّ أعداء الثورة وبقاء النظام .

عاشراً، حول مسألة الحوار مع النظام :
إن رؤية بعض أطراف المعارضة ، في ضرورة الحوار مع النظام على طريق حل هذا الصراع الدموي، الذي يرى البعض أنه قد دخل مرحلة الاستعصاء بالنسبة للطرفين ، إنما تنطوي برأينا على خللين أساسيين : الأول هو أن هذا الحوار واقعياً ذو بعد واحد ، وإن تمثيلية استعداد النظام للحوار مع بعض (!)أطراف المعارضة ، إن هو إلاّ نوع من التكتيك والمناورة الرخيصة ، التي ينبغي ألاّ تنطلي على أحد . إذ لو كان الأمر صحيحاً لظهر ذلك في مؤتمر جنيف ، الذي لم يلب النظام فيه مطلباً واحداً من مطالب المعارضة المشروعة ، بما في ذلك المطالب الإنسانية والأخلاقية (الإفراج عن النساء والأطفال) . نعم إن الحوار هو من أبجديات المصالحة الوطنية ، ولكن الحوار المجدي لابد وأن يكون بين طرفين مستعدين لسماع بعضهما بعضاً وهذا لايتأتى إلاّ إذا كان هذان المتحاوران متكافئي القوة (لاعدل إلاّ إن تعادلت القوى/أبو القاسم الشابي ) وهو أمر لم يكن متوفراً في مؤتمر جنيف . أما الخلل الثاني ، فيتمثل في أن المصالحة الوطنية تكون واردة فقط ،عندما تكون الثناقضات القائمة بين النظام والمعارضة هي من نوع التناقضات الثانوية وليس الجوهرية كما هي الحال مع نظام عائلة الأسد الطائفي الوراثي وغير الديموقراطي ، وخاصة بعد أن دمر معظم مدن وقرى سورية ، وقتل مئات الألوف وهجر الملايين . إنهما خللان جوهريان ، ولايستقيم معهما أي حوار مع مثل هذا النظام . إنني في الوقت الذي أؤكد فيه على ضرة احترام ” الرأي الآخر ” المختلف ، إلاّ أنني لاأستطيع أن أتسامح مع نظام همجي ، دونه همجية هولاكو ونيرون وموسوليني وهتلر، إنه نظام فاسد ومتعفّن من رأسه حتى أخمص قدميه ، والعضو الفاسد ينبغي أن يبتر قبل أن ينتشر فساده في كل أنحاء الجسم .

 حادي عشر ، إشكالية العلاقة بين العروبة والإسلام :
تجدر الإشارة فيما يتعلق بهذه الثنائية إلى التداخل والتشابك بين كل من الانتماءات الكبيرة والانتماءات الصغيرة

في المجتمعات . ففي سوريا مثلاً ، يتداخل الانتماء القومي العربي مع الانتماء الديني المسيحي ، ويتداخل

الانتماءالإسلامي مع الانتماء القومي الكردي والتركماني ، ويتداخل الانتماء الديني الكبير في كل من الدين

الاسلامي والدين المسيحي ، والدين اليهودي مع الانتماءات الطائفية الصغيرة في كل من هذه الديانات السماوية الثلاث  ( رغم بعدها السماوي )  . ولقد نجم عن هذه الشبكة المعقدة من التداخلات  الاجتماعية، إشكالية سياسية

تداخلت فيها الانتماءات الكبيرة مع الانتماءات الفرعية ، ألا وهي إشكالية الأكثرية والأقليّة التي سبقت الإشارة إليها ، والتي انعكست على مجمل الحياة السياسية في سورية منذ مطلع القرن الماضي وحتى هذه اللحظة ، والتي تجسدت بعد عام 1963 في الصراع بين معارضة يشكل العرب السنة عمودها الفقري ، ونظام أقلياتي تشكل الطائفة العلوية عموده الفقري ، في حين كان مايكسو كل من هذين العمودين الفقريين من اللحم والدم والأعصاب وبقية مكونات الحياة يعود إلى كافة مكونات المجتمع السوري القومية والدينية والطائفية . و تجدرالإشارة هنا أيضاً ، إلى أن طائفية ” الأقليات ” هي صناعة غربية بصورة أساسية وأن طائفية الأكثرية ( التي بدأت تظهر هذه الأيام )هي من صنع طائفية الأقليات ، ولاسيما طائفية الأقلية العلوية الحاكمة . إن كسر هذه الحلقة الطائفية المفرغة والخروج من شرنقتها يقتضي من كافة الأقليات ، وخاصة الأقلية العلوية ، أن يعرفوا أن سورية هي وطنهم ، وأن القومية العربية هي أمّهم ، وأن العرب المسلمين السنة هم أخوتهم في المواطنة ، وأن نظام عائلة الأسد الديكتاتوري الفاشي هو عدو كل المواطنين الشرفاء من كل الطوائف، والذين ينتمون جميعاً إلى ” الوطن ” قبل انتمائهم إلى هذا الدين أو ذاك ، إلى هذه الطائفة أو تلك . إن العروبة والإسلام والمواطنة إنما تمثل المثلث الذهبي الذي يحمي ثورتنا ، ثورة الحرية والكرامة ، من الانحراف ومن السقوط . وحسب تصورنا لهذا المثلث الذهبي ، فإن الإسلام هو قاعدته المتينة ، وإن العروبة والمواطنة هما الضلعان الاخران اللذان يكملانه ويعطيانه صورته التاريخية والجغرافية التي تسمح لنا أن نقول : إننا مواطنون سوريون ، نعتز بعروبتنا ، وبديننا الإسلامي الحنيف. وبتشبيه آخر، فإن العروبة والإسلام ، إنما يمثلان ـ من وجهة نظرنا ـ وجه  الميدالية وظهرها ، وإذا ماخطر للبعض أنه يمكنه أن يمسح أحد وجهيها دون الإضرار بقيمتها المادية والروحية ، فليسمح لي أن أستخدم  حيال تصوره الخاطئ  هذا حق ” الفيتو ” ذلك أن قيمة أية ميدالية ذهبية ، إنما هي بما هو مرسوم ومكتوب على وجهيها معاً ، وبالتالي فإن التضحية بأحد الوجهين إنما هو تضحية أيضاً بالميدالية كلها ، وخروجها بالتالي من عالم التداول الاجتماعي والسياسي، إلى عالم المتاحف الأثرية .

إن الإشكالية النظرية والعملية التي تطرحها العلاقة الجدلية  بين مثلث العروبة والإسلام والمواطنة    ( تبادل التأثّر والتأثير أفقياً وعموديّاً )، إنما تتماهى واقعياً مع جدلية ” التراث والمعاصرة ” وهو ما يصب إيجابيّاً في طاحونة المعاصرة ،وبالتالي في طاحونة الحداثة ، والخروج من حلقة ” التخلف” المفرغة إلى عالم الحرية والكرامة والعدالة وحقوق الإنسان . إن مفهوم العلاقة الجدلية  بين س و ع ، لايشيرفقط إلى حالة التكامل بينهما ، ولكن أيضاً إلى حالة التناقض ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ، البقرة 125 )، ولكن هذا التناقضات عادة ما تكون من نوع التناقضات الثانوية وليست الرئيسية ، ولهذا فإن المطلوب اليوم من كافة الأطراف المعنية ، ولاسيما شباب وقادة ثورة آذار 2011 ، تصحيح هذا الخلل ، والنظر إلى ثلاثية الإسلام – العروبة – المواطنة ، من زاوية التداخل والتكامل وليس من زاوية التعارض والتناقض .

ثاني عشر ، بين الخلاف والاختلاف شعرة معاوية :

إن مادفعني إلى حشر هذه الفقرة في هذا المكان بالذات ، هو أن أحد أصدقائي ، قد هاتفني ليلفت نظري إلى ضرورة أن أبتعد ، عن مسالة العلاقة بين العروبة والإسلام ، فالإسلام بنظره بات جزءاً من الماضي ، وأن دفاعي عنه إنما يسيئ إلى تاريخي التقدمي واليساري والعلماني ( على حد وصفه ) . إنني لاأنكر ، بل أعتز بكوني يساريّاً وتقدمياً وعلمانيّاً ، ولكن ماأنكره وأتنكر له ، هو أن هذه ” الخصال” الحميدة بنظري ، تتعارض مع الدفاع عن الحق ( وهنا الدفاع عن القيم الإنسانية العليا ، ولا سيما قيم العدالة والمساواة بين الآدميين ، التي نادت وتنادي بها كافة الأديان السماوية ، ومن بينها الدين الإسلامي ) وتستجرني إلى الوقوف إلى جانب الباطل ، الذي تتبناه وتخطط  له وتنفذه الإمبريالية العالمية منذ القرن الثامن عشر ، إن لم نقل قبل ذلك .إنني لاأنكروجود” المتطرفين ” ( الدواعش ) في كل الأديان ، وفي كل الأزمان ، ولكن وجود بقعة ( وحتى بقع ) سوداء في جلد بقرة بيضاء ، ينبغي ألاّ يعمينا عن اللون الأصيل والغالب لهذه البقرة ، ألا وهو اللون الأبيض . أيها الصديق العزيز ( … ) ، هنالك فرق بين الخلاف الذي  يباعد بين الناس ، والاختلاف الذي لايفسد للود قضية . واسمح لي أن أختلف معك فيما ذهبت إليه ، ولكن لنبق مع ذلك ورغم اختلافنا أصدقاء .

ثالث عشر ، الربيع العربي وحلف الخائفين من الديموقراطية  :

لقد كانت هبَّة ” الربيع العربي ” التي افتتحها الشعب التونسي (17.12.2010) عندما حرق البوعزيزي نفسه،

شرارة الربيع العربي كله ، ذلك الربيع الذي كان انفجاراً شعبياً كاملاً ، ضد أنظمة الحكم المستبدة والفاسدة التي

نصبها ورعاها وحماها النظام الرأسمالي العالمي ، منذ الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن الماضي ، وذلك

لكي تنوب عنه في حماية مصالحه الاستراتيجية في المنطقة العربية ولاسيما النفط (عصب الصناعة الغربية)

و إسرائيل ( الثكنة العسكرية الغربية في فلسطين ) .

لقد كانت الإشكالية التي واجهت الغرب ،في هذه الهبَّة الشعبيةالعربية ، وشكَّلت له مأزقاً سياسياً وأخلاقياً على المستويين الداخلي والخارجي ، هي رفع الجماهير المنتفضة في كل دول الربيع العربي ، لشعارات الديموقراطية والتعددية والتداولية وحقوق الإنسان ، والتي من المفروض أنها نفس الشعارات  التي تمثل بنظر المنتفضين صلب وجوهر القيم والمبادئ السياسية الأوروـ أمريكية  / الدول والمجتمعات الديموقراطية (المعلنة) .

لقد انعكست هذه الإشكالية بصورة جلية على الخطاب السياسي والدبلوماسي الغربي ، المتناقض وذي الوجهين  ، وجعلته خطاباً بائساً ، لايعرف ( بضم الياء ) رأسه من ذنبه ، ولا صحيحه من كذبه ، وأصبح البحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه ،وتوقف مد الربيع العربي (ولاسيما في الدول المجاورة لإسرائيل ) ، وتعيد المياه إلى جاريها في مرحلة ماقبل هذا الربيع ( مع بعض التعديلات ربما )، هو الشغل الشاغل لوزارات الخارجية وخبرائها في هذه الدول ، هذا ولم تكن تلك الاجتماعات الدورية لما بات معروفاً بـمجموعة “أصدقاء سورية “، وتقديم دعم رفع العتب إلى المعارضة من بعض الدول العربية والأجنبية ، سوى بعضاً من هذه المحاولات الخلّبية ، التي تسعى إلى احتواء ثورات الربيع العربي الشعبية ، بأقل الخسائر المادية والمعنوية الممكنة  ، والتي تدخل ـ برأينا ـ في إطار توزيع الأدوار بين أعداء الربيع العربي  من العرب والمسلمين والنظام الرأسمالي العالمي .

ولأن هذه الثورات الوطنية ( ثورات الربيع العربي ) ، تضرب في عمق الجرح العربي  الذي تسببت به  تلك الهزائم والاعتداءات المتوالية والمتكررة ، والذي تجسد ( بفتح التاء )  في  النصف الثاني من القرن الماضي ، في صورة مجتمع مجزّأ ، متخلف ،  ممنوع من التنمية والتطور ، محكوم من قبل ديكتاتوريات تمثل أقليات  قبلية أو طائفية مرتبطة بالدول الاستعمارية بصور وأشكال ودرجات مختلفة ، فقد استنفر أعداء ذلك الربيع العربي كل طاقاتهم وكل إمكاناتهم  لوضع حد لهذا الربيع ، وتجفيف ينابيعه القومية والدينية والإنسانية ، خوفا من أن  يمتد لهيبه إلى دولهم ، و إلى مصالحهم  ولقد كانت أبرز الأسلحة  التي استخدمها هذا الحلف الغربي ـ العربي ـ الإسلامي  ضد ثورات الربيع العربي  هي : 

   1) توزيع الأدوار فيما بينهم  ، بحيث يقف هذا مع ثورات الربيع العربي ، بينما يقف الآخر مع الأنظمة المستهدفة

من هذه الثورات. وينطبق هذا بصورة أساسية على موقف الدول الكبرى التي تحتكرالمال والعلم والتكنولوجيا   والتي تقوم بدور قائد الأوركسترا في توزيع الأدوار والمهام بين عناصر ذلك السداسي الذي اشرنا اليه . ولما كان

هذه ” اللعبة ” على درجة عالية من التعقيد ، كان لابد من اللجوء إلى الكذب والتضليل واستبعاد  نظرية المؤامرة

لإخفاء دورهذا الحلف (غير المقدس ) فيما جرى ويجري في الوطن العربي عن أعين الآخرين .

    2) اللعب بورقة التطرف الإسلامي السني وتحويله إلى قوة مادية ملموسة ، ذات شعارات معلنة ، وعلم أسود  يزيد عمره على 1400  سنة ، ومن ثم شيطنته ، وتقديمه للعالم على انه  هذا هو ” الإسلام ” الذي على المجتمع الدولي

محاربته ، ولكن تحت مسمى آخر هو ” الإرهاب ” . ولقد اقتضت عملية توظيف هذه الورقة السنيّة في خدمة مخططات مايمكن أن نطلق عليه “حلف الخائفين من الديموقراطيةإحياء التناقضات التاريخية التي عفا عليها الزمن ، وتوظيفها في  تنفيذ هذا المخطط الإمبريالي المعادي لثورات الربيع العربي . والمعادي بالذات لمطلب الديموقراطية والتعددية الذي هو المطلب الرئيسي لهذه الثورات . لقد كانت الورقة الأساسية في هذه اللعبة هي اختراع / تكوين / تشجيع  داعش السنية  ووضعها في الجهة المقابلة لدولة ولاية الفقيه الشيعية ، لينجزا معاً ، ما عجزت حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران عن إنجازه  ، ألا وهو  الحرب الشاملة بين السنة والشيعة في ” الشرق الأوسط الجديد ” والتي يمكن أن تؤدّي عاجلا أم آجلاً الى تجزئة المجتمعات العربية و الإسلامية ، إلى دويلات ميكروية تعيش تحت الحماية الإمبريالية المباشرة و/ أو غير المباشرة ، ويتم رفع العلم الإسرائيلي على مآذن عواصمها ، تماماً كما هي الحال الآن في القاهرة وعمان .

3) اللعب بورقة الحداثة والعلمانية والليبرالية ، والتي عادة ما يجسدها قسم كبير من المثقفين ، وكبار ضباط الجيش ، الموالين للحضارة وللثقافة الغربية ، سواءً بحكم انتمائهم الطبقي ( فئة الأغنياء ) ، أو بحكم دراستهم ومعايشتهم لتلك الثقافة التي يعتبرونها النموذج المثالي الذي على بلدانهم ان تحذو حذوه للخروج من مأزق التخلف التي هي عليه اليوم ، إن الإشكالية التي يطرحها موقف هذا التيارالاجتماعي ، هو أنه تيار إقصائي بامتياز ، من  حيث اعتباره أن كل من لا يتفق معه في الرأي ، وخاصة إذا كان من التيار الإسلامي ، أنما هو ” إنسان متخلف ” ،  وبالتالي لا فائدة من الحوار معه ، وإن اجتثاثه من المجتمع هو الموقف العقلاني ! ، إن مايمكن قوله لهؤلاء  الإخوة من الحداثيين ، آمل ألاّ  تكون مرآة عقولكم ، التي تنطوي على بعض العناصرغير الموضوعية  ، هي التي تعكس  هذه الصورة  السلبية عن الآخر المختلف ، وتذهب بكم  بعيداً عن واجب احترام ” الرأي الآخر ” ، وبالتالي عن الالتزام بمبدأ  “المواطنة ” الذي تتمترسون خلفه شكلاً ، كيما تخفون موقفكم الإقصائي لذلك الرأي الآخر  .

    4) اللعب بورقة الإقلية والأكثرية ، والتي هي عملياً ورقة جرثومة الطائفية ، التي تقع مسؤولية زرعها على كل من الأحزاب والقوى العلمانية والدينية التي تشكلت خلال المرحلتين الإستعمارية والاستقلالية على حد سواء ، وذلك من حيث أن التركيب الديموغرافي لهذه الأحزاب والقوى بنوعيها ، لم يكن يعكس التركيب الإجتماعي للمجتمع السوري ، لاعلى أساس ريفي ـ حضري ، ولا على أساس الأقلية والأكثرية ، بل إن كلاًّ من الأبعاد الطائفي والديني والقومي والاشتراكي قد تداخلت في بنية وبالتالي في ممارسات هذه الأحزاب والقوى . وهذا يعني أن هذه الإشكالية التي نشاهدها اليوم سواء في سوريا أو في غيرها من الأقطار العربية ، إنما هي صناعة محلّيّة من جهة ، وصناعة مستوردة من جهة أخرى . إن جرثومة الطائفية في سورية هي الإبن الشرعي للنسب المئوية التي ينقسم إليها مجتمعنا السوري موضوعيّاً ، ولكنها أيضاً الإبن غير الشرعي لمرحلة الإنتداب الفرنسي على سورية الذي فرضته نتائج الحرب العالمية الأولى على مجتمعاتنا ، وعلى شعوبنا .

5) يرتأي البعض أنه يمكن تجاوز هذه الجرثومة الخبيثة ( الطائفية ) ، عبر مبدأ ” المواطنة ” ، وخاصة عندما يتم تلقيح هذه المواطنة  بالعلمانية وبالديموقراطية . نعم إن مثلث المواطنة ، العلمانية ، الديموقراطية ، يمكن أن يكون هو الحل لأزمة الطائفية في سوريا ، ولكن فقط عندما تضمر إلى الحد الأدنى ، إن لم نقل تتلاشى ، مادعاه ابن خلدون  بـ   ” العصبية ” ، وما دعاه فرانسس بيكون بـ ” الأوثان الاجتماعية ” ، ولاسيما الطائفية والقبلية والتعصب القومي والتعصب الديني والتعصب الجهوي ، ويصبح بالإمكان الوصول إلى انتخابات واستفتاءات نزيهة وشفافة عبر ” ديموقراطية ” غير مشروطة ، وقادرة على أن تصحيح نفسها بنفسها .

    6) اللعب بورقة العمائم البيضاء والسوداء ، الذين يتلطون تحت عباءة السلطان ، يخدمهم ويخدمونه ، يقدمون له المخارج  والمداخل الفقهية ، ويقدم لهم الدولارات والحماية ،  والنجومية في وسائل الاعلام ، وليس بعيداًعنا  موقف شيخ الأزهر المتماهي مع انقلاب عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي ، ولا موقف مفتي مصر الذي ناشد الجيش المصري أن  يضرب ” بالمليان ” المتظاهرين السلميين ، وأنه شخصيا  ( كمفتي  طبعا)  يضمن لهم الدخول إلى الجنة ( !!) . ألا يذكّرهذا بصكوك الغفران المسيحية التي كانت  وراء  الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩. كما وأنه  ليس بعيدا عنا موقف مفتي بشار الأسد الشيخ  أحمد حسون مما يقوم به بشار الأسد في سوريا صباح مساء ، ولا سيما تدميره المساجد  والكنائس  المخصصة لذكر الله والمعروفة عند الجميع  ، بأنها بيوت الله .

7) نعم إن حلف الخائفين من الديموقراطية ومن حقوق  الإنسان ، بقيادة النظام الرأسمالي العالمي ، هو من يقف  بصورة أساسية وراء معظم الدماء التي سالت وتسيل في وطننا العربي منذ الحرب العالمية الأولى  وحتى اليوم ، ولكن دون أن  يعني ذلك أ ننا نعفي انفسنا كأفراد وكشعوب وكحكومات من المسؤولية ، وبالذات حيال ماجرى ويجري في دول الربيع العربي منذ شهر آذار عام  2011 وحتى اليوم . ولكن هذا الموقف السلبي من  النظام الرأسمالي العالمي (الغرب) ،لايعطينا الحق في أن نتنكّر لإيجابيات هذا الغرب، بل وضرورة أن نتعلم منه كثيراً مما نحن بحاجة إليه ، ولاسيما : 

–                     العلوم الطبيعية والعلوم الدقبقة ، وبالتالي التكنولوجيا والتصنيع  المرتبطين  بتقدم وتطور هذه العلوم ،

–                     رسوخ أسس المجتمع المدني ، ولا سيما: العلمانية ،وضمورالولاءات التقليدية (القبلية ، الطائفية …الخ )

–                     سيادة القانون المكتوب على الأعراف والتقاليد المرتبطة بالمجتمع التقليدي ماقبل الصناعي .

لقد بات العالم اليوم قرية واحدة ، مشرعة الأبواب والمنافذ ، لكل الأفكار والتجارب والسلع ، وما لم نملك نحن العرب شيئاً خاصاً بنا نطرحه في سوق هذه القرية العالمية ، فسوف نظل عالة على الآخرين ، وتظل بالتالي صور الجياع والعراة وقطع الرؤوس والأيادي ورجم النساء والرايات السوداء والخضراء والصفراء في بلداننا ، من الأشياء التي تقدمها تلفزيونات الآخرين كتسلية لمشاهديها قبل أن يأووا إلى سررهم للنوم .

رابع عشر ، البعد القومي لثورة آذار 2011 السورية  :

  1. مايلفت النظر في هذه الخواتم من عام 2014 ، فيض الكتابات والكتاب ، حول ثورة آذار 2011 السورية ، من حيث قرب توصل الدول الكبرى ، ولاسيما أمريكا وروسيا ، إلى حل متفق ومتوافق عليه بين طرفي الصراع ، أي بين النظام السوري (ببشار أو بدونه) والمعارضة (ممثلة ببعض الشخصيات  من داخل الائتلاف وخارجه ) . وقد تبين لنا من الاطلاع على بعض هذه الكتابات ، عدم رؤيتة أصحابها كافة الأبعاد الوطنية لهذه الثورة .

فالثورة السورية ـ أيها السادة ـ  هي ثورة شعب ، تتلخص وتتجسد مطالبه المشروعة ( باعتراف بشار الأسد نفسه ) بكلمتين اثنتين هما : الحرية والكرامة ، ذلك أن حكم عائلة الأسدين الطائفي، قد احتكر لنفسه أعمدة القوة الثلاثة المعروفة : السلاح والمال والإعلام ، استباقاً لمقدم هذه الثورة ،التي ــ وبسبب وضعه غيرالشرعي ــ كان يدرك هو وعائلته وأتباعه أنها قادمة ذات يوم لامحالة . وفي إطار استخدامه لسلاح الإعلام ، لجأ النظام ومنظريه ، لتبرير وضعهم غير الشرعي ، إضافة إلى الكذب والتزوير والتضليل ، إلى الهروب من المأزق ، تارة إلى الأمام ، وتارة إلى الوراء ، تارة إلى اليمين وتارة إلى الشمال ، تارة إلى الغرب وتارة إلى الشرق ، وقد كانت نتيجة هذا الهروب المدروس ، نصف قرن من الدكتاتورية ، ومن التداول الوراثي للسلطة .

2.إن ماينبغي قوله في هذا المقام ، إن بعضاً من أجنحة المعارضة ، قد وقعت في فخ أيديولوجية النظام ( وإن بصورة مختلفة ) من حيث شق صف المعارضة إلى : قوميين وإسلاميين ، دينيين وعلمانيين ، أكثرية وأقلية ، سنة وشيعة ..الخ  . لقد اعتبر النظام أن الإخوان المسلمين هم أعدا ءه االحقيقيين  ، وما زالت ترن في أذني جملة بشار الأسد التي قالها قبل ذات يوم  :لقد حاربناهم طوال خمسين عاماً وسنبقى نحاربهم “( إن العائد في الضميرين المتصلين ” حاربناهم ” لايخفى على القارئ الكريم )، ولا أظن أن أحداً ينكر أن التيار الإسلامي عامة ، وجماعة الإخوان المسلمين خاصة ، كانوا واقعياً هم الأعداء رقم واحد لنظام عائلة الأسد الذي قامت ثورة آذار 2011 ضدّه.

ولكن لابد من القول هنا ، أن الإخوان  المسلمين بدورهم ، إن لم نقل التيار الإسلامي بمجمله ،  قد أداروا ظهرهم للتيارالقومي العربي ، ولا سيما المجموعات التي شردها وقمعها وسجنها حافظ الأسد ، سواء قبل استيلائه على السلطة عام 1970أو بعده ، وذلك بحجة علمانيتهم أو بعثيتهم أو ناصريتهم . إننا لاننكر هنا أيضاً أن قسماً كبيراً من التيار القومي ، قد اختزن  بدوره ، في شعوره ولاشعوره موقفاً سلبياً لامبرر موضوعي له  من التيار الإسلامي ، الأمر الذي وجد انعكاسه في موقف الطرفين ( القومي والإسلامي ) السلبي المؤسف من بعضهما بعضاً ، سواء في إطار ثورة آذار 2011 ، أو خارجها . أما التيار اليساري الماركسي ، فقد كان معارضاً ،كما هو معلن ومعروف ،لكل من النظام والإخوان المسلمين والتيار القومي العربي  بل ولحزب الشعب الماركسي ( رياض الترك ) على حد سواء ، وبطبيعة الحال ، فإن موقف المعارضة  القومية والإسلامية من هذه المجموعات اليسارية المعارضة لنظام عائلة الأسد ، لم يكن بأفضل من موقف هذه المجموعات من هذه المعارضة .

لقد استغلت الدول الكبرى هذا الوضع ووظفته في إطار مشاريعها لشق صفوف المعارضة ، بداية بتشكيل الإئتلاف كبديل للمجلس الوطني ، ونهاية بشق الائتلاف نفسه إلى” متطرفين و معتدلين ”  وذلك على أساس القرب أو البعد من المبادرات القديمة والمتجددة والجديدة ، التي يجري طبخها في الكواليس بين كافة الأطراف المعادية لثوراة الربيع العربي كلّها ، وذلك على المستوى الدولي والإقليمي والعربي .

كما أن دور بعض مثقفي السلطان ( بمن فيهم بعض رجال الدينين الإسلامي والمسيحي ) في محاولة  تشويه  الثورة السورية ، وإبعادها عن حقيقة كونها ثورة شعبية تهدف إلى الحرية والكرامة ، وإظهارها في صورة مؤامرة عصابات مسلحة (حدد بشار في آذار 2011 عددها بـ 64000 إرهابي ، ثم رفع العدد لاحقاً إلى المليون / هي مليون ولكننا نقول ملايين !! ثم جاءت داعش لتزيد في الطنبور نغماً ) ، إنما هو دورمدروس ، وربما مدفوع الأجر ، من أجل عرقلة ومن ثم وقف وتشويه ثورات الربيع العربي ولاسيما في مصر والعراق وسورية .

  1. إن ترويج البعض ولاسيما القوميين السوريين المرتبطين بالنظام ، لمقولة ” سورية وبس ” إنما يصب عملياً في طاحونة سايكس ـ بيكو، أي عملياً طاحونة ” سورية الأسد ” (على حد وصف حسن نصر الله ) ، ولقد وصل هذا الترويج المشبوه ، إلى أن بعض أطراف المعارضة قد ارتأى ـ وهذا مع الأسف الشديد ـ أن تحذف كلمة “العربية” من إسم” الجمهورية العربية السورية “ ، إرضاء لبعض الأقليات السورية غير العربية . وأقول من جهتي كمواطن عربي سوري لهؤلاء الإخوة  من غير العرب : إن من لايقبل أن يكون مواطناً  في جمهورية تحمل اسم الجمهورية العربية السورية  فليسمح لي أن أقول له :  إننا سنظلّ جميعاً وبالرغم من ذلك إخوة في الإنسانية وشركاء في الوطن والمواطنة ، وستظل لكل منا رؤيته المختلفة لهذا الموضوع  ، والتي من حقه أن يدافع عنها ، وذلك في إطار مقولة ” احترام الرأي والرأي الآخر ” .

خامس عشر ، الثورة السورية والخيار الثالث  :

رغم أن مفهوم ” الخيار الثالث ” المشار إليه هنا ، يتقاطع ، من حيث الشكل ، مع مفهوم ” الطريق الثالث “، إلاّ أنه ، من حيث المضمون ، لايتقاطع ولا يتطابق ، بل ولا حتى يتشابه  معه. إذ بينما يشير مفهوم الطريق الثالث ، إلى خيار سياسي ـ أيديولوجي ” ثالث ” ، يقع بين الرأسمالية  والاشتراكية ، ولا سيما إبان فترة ” الحرب الباردة ” بين الطرفين في النصف الثاني من القرن العشرين ، فإن        ” الخيار الثالث ” الذي نقترحه هنا ، لإخراج ثورة آذار السورية ( ثورة ربيع دمشق ) من حالة        ” الاستعصاء “ المستمرة منذ مطلع عام 2011 ، وحتى هذه اللحظة ( أواخر 2014 ) ، إنما يشير ، بصورة أساسية  إلى خيار بديل لكل من ” ديكتاتورية الأقلية “ التي نراها ونعيشها في يومنا هذا  ” اليوم الحالي”، و ” فوضى الأكثرية “ التي يمكن أن تنتظر الثورة السورية  في ” اليوم التالي ”  ، اي المرحلة التالية لسقوط نظام عائلة الأسد  . إن هذا يعني ـ تطبيقياً ـ أن الإشكالية التي نحاول معالجتها في هذه الفقرة ، عبر الإحاطة بأبعادها السياسية والاجتماعية  ، والتي تتقاطع ، من جهة ، مع إشكالية  الأقلية والأكثرية ، ومن جهة أخرى مع إشكالية الهروب من اليوم الحالي إلى اليوم التالي ، والتي هي نوع من الهروب من استحقاقات مطلوبة اليوم ، إلى استحقاقات ستكون مطلوبة غداً ، إنها إذن ، هروب من الموضوع ، رغم أنه يأخذ شكل الهروب إلى الأمام ! .

لاننكرأن  الخيار الثالث الذي نقترحه هنا لحل الأزمة السورية ، يمكن أن يتقاطع أيضاً مع كثير مما ورد في العديد من الأدبيات والدراسات والبحوث التي صدرت في العامين الماضيين ، حول الثورة السورية ،  ولا سيما تلك التي تركزت رؤيتها حول ” اليوم التالي the day after/ ” ، ولكنه لايتطابق معها ، ذلك أن هذه المجموعات والجماعات المعارضة لنظام بشار الأسد ، تلتقي مع الثورة السورية في إدانة الأعمال الوحشية التي يمارسها النظام ضد الشعب السوري  ، بيد أنها ، وبنفس الوقت ، لاتخفي خشيتها من إمكانية أن تأتي لهم الديموقراطية التي تنادي بها الثورة ، بالجماعات الإسلامية إلى سدة الحكم ، وتنتقل سوريا في ظل حكم هذه الجماعات الإسلامية ، من ديكتاتورية الأقلّية، إلى ديكتاتورية الأكثرية . إن مثل هذا التخوف غير المبرر من الديموقراطية المنتظرة ، من بعض أطراف المعارضة السورية ،  إنما ينطوي واقعياً على فيروس غير صحي / مرضي، غرسته القوى الخارجية ، المعادية لكل من العروبة والإسلام ، في تربتنا ، بعد أن هيأت له التربة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية   الكفيلة برعايته وحمايته ، بل وتكاثره ، عبرمعاهدة سايكس بيكو ووعد بلفور ( التجزئة وإسرائيل ) باعتبارهما كانا الأثفيتان ، اللتان جاءت مرحلة الاحتلال المباشر للوطن العربي بعد الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين ، لتكون ثالثة الأثافي التي يجلس فوقها القدر ( بكسر القاف ) الذي تطبخ فيه  تلك القوى الإستعمارية طبختها المفضلة تاريخياً ، ألا وهي طبخة الأقلية والأكثرية . إننا نتفهم  تخوف بعض أطراف المعارضة السورية  من إمكانية أن تسير الأمور في        ” اليوم التالي” بصورة مختلة عمّا يرغبونه ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه على الجميع هنا هو : هل محكوم على الثورة السورية وعلى الشعب السوري ، بعد أن قدم حوالي ربع مليون من الشهداء ، وحوالي عشرة ملايين من المهجرين والمشردين ، أن يكون خياره الوحيد هو بين أمرين (أحلاهما مرّ) ، أعني إما ديكتاتورية الأقلية ( اليوم الحالي ) أو ديكتاتورية الأكثرية ( اليوم التالي ) ؟!. إننا لانعتقد بذلك

ولا نقبله ، ذلك أن خياراً ثالثاً يظل ممكناً، بل ومطلوباً ، للخروج ببلدنا العزيز والحبيب سوريا ، بداية من هذا الإستعصاء الذي طال أمده ، ونهاية من إسار هذين الخيارين اللذين يرى البعض ( وهذا مع الأسف الشديد ) أنهما أمران متساويان في السوء !!. متناسين أن ( ديكتاتورية الأقلية )هي أمر قائم بالفعل ، بينما إمكان هيمنة الأكثرية الإسلامية السنية على السلطة في سوريا ، والانتقال بالشعب السوري ” من تحت الدلفة لتحت المزراب ” ، هي مجرد حالة متخيّلة ، يمكن أن تكون ويمكن ألاّ تكون ، وبالتالي فهي نوع من الفوبيا التي زرعتها القوى الاستعمارية في رؤوسنا ، ولابد أن نتعامل معها على هذا الأساس .

إنني لاأنكر أن خليطاً تاريخياً يتعايش داخل عقولنا ونفوسنا ، نحن أبناء القرن الحادي والعشرين  ، يبدأ من اعتزازنا بشعر ومواقف جاهلية قبلية ، وينتهي بالاعتزاز بثورات الربيع العربي ، ومنها ثورة الحرية والكرامة في سوريا ، مروراً بالاعتزاز بسلوك ومواقف كل أقطاب وأعلام الفكرالإسلامي الذي طبع سلوك ومواقف أبناء الأمة العربية في الماضي وفي الحاضر، بدءاً بالخلفاء الراشدين في القرن الأول للهجرة ، وانتهاءً بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن الثاني / الثالث عشر للهجرة .

لقد أدت هذه الخلطة التاريخية إلى أن انقسامين يتعايشان اليوم جنباً إلى جنب في مجتماعاتنا العربية ، ومنها مجتمعنا السوري ،وبالتالي في عقولنا ، هما : الإنقسام العمودي ( الديني ، الإثني ، الطائفي ، القبلي ، الجهوي ) والانقسام الأفقي ( الاقتصادي ـ الطبقي ، الفئوي ، المهني ) ، بما يعنيه ذلك التعايش ، من أن فوضى فكرية ، وقيمية ، تعيش في دواخلنا ، وتطبع بالتالي سلوكنا ومواقفنا !! . من هذه الزاوية يحق لـ  ” الأقلية ” ( ومعها بعض العلمانيين والليبراليين واليساريين )، أن تتخوف من إمكانية ، أن تأتي لهم  الثورة وبالتالي” الديموقراطية ” المطروحة على أجندة الثوار ، بمن وبما لايرغبون . ولكن السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع ( الأقلية والأكثرية ) هنا ، هو : مالعمل إذن ؟ ، هل القبول بالمرّ استبعاداً للأكثر مرارة أم ، البحث المشترك عن حل عقلاني يستبعد سلبيات كل من اليوم الحالي واليوم التالي على حد سواء ؟.لاشك أن البحث عن حل عقلاني ،هو الجواب الصحيح على هذا التساؤل  ولكن تساؤلاً جديداً سيطرح نفسه هنا أيضاً ، ألا وهو : كيف ؟ ، وهو عملياً موضوع الخيار الثالث  الذي سنحاول تقديمه  كبديل لكل من ديكتاتورية اليوم الحالي القائمة وإمكانية يكتاتورية اليوم التالي المتوقعة .

وتتلخص رؤيتنا الخاصة  لحل هذه الإشكالية ، والتي تمثل ” الخيار الثالث ” الذي نقترحه ، في ضرورة قبول الجميع ، بمبدأ ” الديموقراطية ” الحقيقية، المدعّمة بدستور مقر من الشعب وأيضاً بصورة ديموقراطية حقيقية لالبس فيها ولا عوج . هذا مع العلم أن الديموقراطية التي نعنيها هنا تتماهى ـ نظرياً وعملياً ـ مع شعاري الحرية والكرامة اللذين رفعهما شباب ثورة آذار 2011 ، وبالتالي فهي تمثل الجسر الوطني الذي يربط ضفة اليوم الحالي بضفة اليوم التالي .  والتي ينبغي أن  تنطوي بالضرورة على :

+ الديموقراطية السياسية ،   ولا سيما التعددية الحزبية والتبادل السلمي للسلطة ، والانتخابات

                                  والاستفتاءات الدورية المنتظمة ، والمكفولة بالدستور ،

+ الديموقراطية الاجتماعية ، ولاسيما إقامة مجتمع مدني قائم على سيادة القانون ، وعلى

                                  تساوي الجميع في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم م أي نوع كان                                                               

+ الديموقراطية الفكرية ،    ولاسيما احترام الرأي والرأي الآخر، وأيضاً احترام حرية التعبيرعنهما     +الديموقراطية الاقتصادية،    ولاسيما حق العمل للجنسين، والجمع بين القطاعين العام والخاص ،                              + الديموقراطية الثقافية ،   ولاسيما حق الأقليات العرقية والدينية في ممارسة طقوسها الخاصة بها

+ الديموقراطية الانتقالية ،  التي تمثل الضوابط الأخلاقية والقانونية للعدالة الانتقالية ،                          

إن عرضنا لهذا الحل الديموقراطي ، لايحجب عنا ـ بطبيعة الحال مشروعية ـ تخوف بعض” العلمانيين ” وبعض ” الأقليات ” ، من أن الأكثرية الإسلامية السنية في سوريا ( في ثوبها السياسي )، يمكن إذا ماوصلت إلى السلطة ، عن طريق الديموقراطية ،أن تضع على الطاولة شريعة الخالق السماوية مقابل قوانين المخلوق الوضعية ، وهكذا ربما تفتح باندورا صندوق الشرور، وتقع الثورة السورية في فخ المحظور .

من جهته لايستطيع الكاتب أن يقدم لهؤلاء الإخوة المتخوفين من الديموقراطية القادمة  أية ضمانات تتعلق بالمستقبل عامة ، وبـ (اليوم التالي ) خاصة  سوى : أولاً ، قناعته المطلقة في أنه ليس من علاج لأخطاء وأخطار الديموقراطية إلاّ بالمزيد من الديموقراطية ، وثانياً ، ثقته الكبيرة ، بروح التعايش المشترك والتسامح الوطني التي اتصف ويتصف بها شعبنا السوري العظيم ، بمختلف مكوناته على مر القرون ، ولا سيما قرون التاريخ الإسلامي والعربي .

سادس عشر ، الثورة التونسية كمنطلق وكنموذج :

شهدت مؤسسة ابن رشد للفكر الحر والتي مقرها برلين ( ألمانيا ) مساء الخامس من ديتسمبر 2014 ، حفل تسليم السياسي الإسلامي راشد الغنوشي جائزة ابن رشد لعام 2014 . وقد ألقى السيد الغنوشي كلمة هامة لخص فيها الأبعاد الفكرية والسياسية والإسلامية للثورة ديتسمبر 2010 ـ يناير 2011 التونسية ، وكان أبرز ماقاله ، مما نرى أن ثورات الربيع العربي التي تلت ربيع تونس ، ولاسيما الثورة السورية  ، يمكن أن تستفيد منه ، مايلي  :

  1. 1. استندت وتستند الثورة التونسية إلى مبادئ أساسية ثلاثة هي : الحوار ، الوفاق ، الديموقراطية ،
  2. يعتبر استناد الثورة التونسية إلى هذه المبادئ تطبيقاً لتعاليم ابن رشد وابن خلدون القائمة على المؤاخاة بين الدين

والعقل ، واستشهد بعنوان كتاب ابن رشد ” فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال” حيث أن ابن

رشد كان يعتبرأن العلم هو طريق الإنسان إلى الله .

  1. التعاليم الرشدية والخلدونية تؤكد على التوافق مع الاختلاف ( وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا ) وليس لتتقاتلوا ،
  2. المراحل الانتقالية لاتتحمل التصادم بين المختلفين ، ولذلك فإن 51 % لاتكفي للتفرد بالحكم في المرحلة الانتقالية
  3. الثورة التونسية تشبه الثورة الفرنسية في حاجتها إلى عدة سنوات حتى تعطي أكلها ،
  4. في توضيحه للعلاقة بين الاستبداد والتطرف قال حرفياً : من يزرع الاستبداد يحصد داعش ،
  5. كان من الأجدى لمن ينفقون أموالهم على مكافحة الإرهاب ، أن ينفقوها على نشرالديموقراطية وعندها سوف

ينتهي الإرهاب ،

  1. كان لحزب النهضة في البرلمان التونسي 89 نائباً ، كان من بينهم 42 امرأة ( أوردها كدليل على أن الإسلام ليس

ضد المرأة ) ،

  1. لايوجد في ظل الديموقراطية الحقيقية ، لامنهزم دائم ، ولا منتصر دائم .

سابع عشر ، فلسطين ، وشهادة الطبيب النرويجي ماس غلبرت :

استمعت مساء امس ( 3/12/ 2014 )، وفي برنامج بلاحدود ، للطبيب ماس غلبرت وهو يروي للمشاهدين تجربته الإنسانية كطبيب ، من خلال ما شاهده وماعايشه بنفسه في مستشفى الشفاء في غزة ، جراءالعدوان المتكرر الإسرائلي على الشعب الفلسطيني ، والذي ( الطبيب ) تمنعه إسرائيل اليوم من العودة إلى غزة لممارسة مهنته الإنسانية في مستشفى الشفاء، أي عملياً تمنعه من إنقاذ حياة الأطفال الذين انسكب الرصاص الإسرائيلي على اجسادهم الغضّة والبريئة ، وعلى بيوتهم ، وعلى أمهاتهم وآبائهم ، وعلى كل من يمكن أن يعيلهم ويرعاهم . لقد كانت أبرز الحقائق التي كشف عنها هذا الطبيب النرويجي المحترم هي :

1) إن السبب الأساسي لمنعه من دخول إسرائيل وبالتلي العودة إلى ممارسة عمله الإنساني في مستشفى  الشفاء في

غزة ، هو محاولة إسرائيل حجب الحقائق والأعمال الهمجية التي مارسهاو يمارسها جيشها  ضد أبناء وأطفال

الشعب الفلسطيني في عدوانه المتواصل أعوام  ( 2006،2008،2009،2012،2014 ) ، والتي كان يشاهدها

ويشهد عليها بنفسه ، بما هو مواطن أوروبي ، وبما هو أستاذ جامعي ، وبما هو طبيب بشري .

2) النظام الإسرائيلي هو نظام احتلال ، ونظام فصل عنصري ولايفترق عن نظام جنوب أفريقيا السابق بشيء.

3) خلال 51 يوماً من العدوان الإسرائيلي الأخير ( 2014 )، كان عدد المصابين من الأطفال 2100 وعدد

القتلى 521 طفلاً، وذلك مقابل 71 إسرائيلياً ، منهم 66 عسكرياً و5 مدنيين .

4) وجه الطبيب النرويجي ، من مقره في مستشفى الشفاء بغزة ، رسالة إلى الرئيس أوباما ، دعاه فيها إلى

القدوم إلى غزة ، والنوم فيها ليلة واحدة ، حيث يمكن له أن يغير وجه التاريخ  فيما لو بات هذه الليلة في غزة .

لقد عمم غلبرت رسالته إلى أوباما على عدد من أصدقائه في أوروبا وأمريكا ، وهو يعتقد أنها قد دخلت في قلوب

جميع هؤلاء الأصدقاء ، ولكنها لم تدخل إلى قلب أوباما ، على حد تعبيره .

5) تساءل الطبيب النرويجي  مندهشاً عن موقف الزعماء العرب المتفرج من العدوان الإسرائيلي على غزة ، في

الوقت الذي تقف فيه شعوبهم ضد إسرائيل ، والأمر لايكلفهم ـ حسب تعبيره ـ سوى التهديد بإغلاق صنبور

النفط عن الغرب الذي يحمي إسرائيل ، ويتستر على جرائمها ، ويتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني .

6) تقوم إسرائيل بقتل الأطفال ، وتشويههم ، وتحويلهم إلى معاقين ، ثم تمنع إنقاذهم وعلاجهم ، هذا ظلم كبير

    تقع مسؤوليته على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى حلفائها ،

7) لقد كانت وصفته السياسية لحل المشكلة الفلسطينية  في ختام المقابلة هي :

+ إرفعوا الحصار عن غزة ،

    + أدرجوا الشعب الفلسطيني في عداد العائلة الإنسانية ،

    + وأخيراً ، التوصل إلى حل سياسي عادل لقضية الإحتلال ، ( وأيضاً هنا على حد تعبيره ) .